د. درية فرحات
إنّي افتخر
“مهما شرّقتُ ومهما غرّبت إنا لله راجعون” كلمات قالها في وصيّته، ولم تكن هذه الكلمات مختلفة عن طبعه وخصاله، فكأنّه منذ أن بدأ يخربش بخطواته على أديم الأرض آمن بأنّا لله وإنّا إليه راجعون. هذا الإيمان هو الذي جعله يعيش حلمه، يراه أمامه في كلّ لحظة. كلمات وصيّة خالدة أعادتني إلى الوراء.
إنّه الصّباح نفسه، والمساء نفسه، الدّقائق تسير برتابة، فما أمسي عليه أصبح فيه، عيناي مسمّرتان أمام التّلفاز أتابع الواقع الذي نعيشه، يغمرني عالم جديد، تختلط فيه المشاعر والأحاسيس، ويبدأ هرمون الأدرينالين بالتّلاعب في جسمي، فتارة يرتفع مع حالات الإثارة والشّعور بالعزّة والكبرياء، وتارة أخرى يسهم في إيقاظ الجسم، وتحفيزه من الخطر المحدّق، وطورًا يتناغم مع الحزن والقهر والألم. ويظلّ هذا الهرمون يراوغني، فيدفع الأوعية إلى التّشنج والانقباض، ما يعيد توزيع الدّم إلى القلب والرّئتين. وأظلّ على هذا المنوال أنشد استجابة جسمي مع إفرازات الهرمون بتقليل القدرة على الشّعور بالألم، كي أستطيع الاستمرار، ولأرفع مستوى القوّة.
منذ السّابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر أيّام أرقبها، وأنتظر المقدّر والمخبأ، أشهر مرّت عشت فيها واقع اختيار حرب الإسناد، قلبي يتألّم وينزف مع غزّة، وأذرف دمعة، ودمعة أخرى تسيل على مذبح الحريّة، أتألّم لصورة طفل يحضن أملًا برؤية مستقبل بهيّ، فتخونه الحياة وتسرق منه النّور، وأتوجّع لسماع آهات امرأة ثكلت برحيل الأحبّة، قد أخفي وجهي عند رؤية رجل كسرته القذائف، فجعلته عاجزًا عن لملمة أشلاء أبنائه، قد أغلق عيني عند رؤية عجوز أثقلته أصوات القنابل فأحنت كتفيه وجعلته يركع قرب ركام بيت أعلى مداميكه سنة بعد أخرى، قد أصمّ أذنيّ عن عويل صوت سيارة إسعاف تنقل شهيدًا تلو شهيد أو جريج وراء جريح، وقد وقد وقد… لكنّي لن أنسى أن أرفع هامتي فخرًا بما فعلت زنود أبطال غزّة، وسأشنّف أذنيّ لزغاريد البنادق ترمي العدو بزخّات الطّلقات، وستحلّق عيناي مع كلّ الصّواريخ تدكّ معاقل الجبناء، وسيبتهج العقل لخبريّات الأسرى الذين وقعوا بقبضة الأشاوس المقدامين، وسيرقص القلب لهذا التّناغم بين بنادق غزّة وبنادق المقاومين الشّرفاء في لبنان.
ومع القلوب المشدودة إلى لحظة النّصر فإنّ العقل يدرك بأنّ إجرام العدو الصّهيونيّ لن يتوقّف فها هو يمدّ خيوط غدره، وتبدأ أذرع الأخطبوط بمدّ شباكها إلى لبنان، توسّعت الحرب وانطلقت شرارة العدوان.
انطلقت أبحث عن الأمان، وبدأت مرحلة التّهجير الذي كُتب علينا مع كلّ حرب، وهكذا صارت صباحاتي وأماسيي ترقّبًا ودعاء، أعيش لحظة الألم وأتذوّق طعم الكرامة. أفقد أغلى الغوالي، وفي كل قرية شهيد، ومع توالي الأيام أتعوّد رتابة اللّحظات، فأعيش مرارة أيلول، وأتجرّع قهر تشرين، وأتأمّل الخلاص.
ومع ورقة تشرين التي سقطت تحتضن الأرض، أستيقظ في الأول من تشرين الثّاني 2024 لأسمع بسقوط ورقة شهيد، ومع أنّ الحرب عوّدتنا على هذه الأوراق التي يحين موعد انتصارها، فكما قال الأمين على المقاومة، “إنّنا ننتصر حين ننتصر، وننتصر حين نُستشهد”، فإنّ سماع اسم هذا الشّهيد أثار دهشتي ثم أضعفني، وآلمني.
عرفته ولم أعرفه، تعاطفت مع ضعفه، وأذهلتني قوّته، أدركت مظلوميّته، وتيقنت من اختياره مظلوم اسمًا عسكريًّا له. بعد استشهاده سمعت الكثير من الأخبار عن هذا النّمر المتوثّب الذي لم يكن يحبّ الحرب، لكنّه كان يؤمن أنّ الصّمت في وجه العدو خيانة، عشق الجهاد ليس حبًّا بالسّلاح، بل لأنّ قلبه كان أكبر من أن يتحمل الذّل. فهل كنت أجهله والآن عرفته؟
وعاد خيال الماضي يلوح أمامي، يذكّرني بصورة هذا الفتى الصّغير الذي لم تفارقه ضحكته الجميلة تحمل البراءة والطّفولة، وفي عينيه دائما سرّ مخبأ، عيناه تلمعان بشقاوة طفولة فيها الألم والفقد والأمل، عاكسته الظّروف أو لعلّه هو من عاكسها.
وبين سرّ عيونه وابتسامته يخبرني بترك مدرسته نفورًا من معلّمة اللّغة الفرنسيّة، أمازحه حينًا وأنصحه حينًا آخر بضرورة العودة إلى المدرسة، فيسارع في الرّد والابتسامة مرسومة بخجل على ثغره، وعيناه تنظران إلى البعيد، قائلًا بأنّه سيترك المدرسة لغاية أعلى، أنظر إليه وفي قلبي أُخفي دهشتي ممّا يقول، هل هو قاصد لجملته أو أنّه هروب من قراره، فأعيد توجيه النّصيحة له بتغيير المدرسة لا تركها، فتتّسع ابتسامته أكثر ويقول بثقة: لا لنّ أغيّر المدرسة، بل سأغير هذا العالم.
تركته ضاحكة من براءة طفولة، وغادرته وأنا أتحسّر في قلبي أّنه سيكون الأضعف بين أبناء عمومته، فجميعهم أصحاب شهادة وعلم، جميعهم عرفوا الدّرب إلاه، فقد وقع في براثن إحساسه بمظلوميّته.
فهل فعلا عرفتك؟! إنّ الأوّل من تشرين الثّاني يصفعني ويخبرني بجهلي بك، نعم يا ابن العم قد نفّدت ما قلته، وفيت بوعدك، وحقّقت الغاية الأعلى، غيّرت العالم بطهر دمائك، وبشرف تضحيتك، وإن غبتَ جسدًا، وظلّلك الموت الأرضيّ، لكنك عبرتَ الظّلال إلى أنوار الحياة الحقيقيّة، استُشهدت على تلة تراب زرعت فيها زهرًا فواحًا وارتقيتَ شهيدًا إلى ملكوت السّماء.
أيّها الشّهيد حان الوقت لأعترف بجهلي، لأقرّ بأنّك كنت الطّفل الذي أدرك غاية الحياة، الذي عرف معنى البقاءـ أعطيتني لقبًا منحني العلياء، فأنا ابنه عم الشّهيد، وإنّي افتخر.
د. درية فرحات
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
