يكتبها : محمد علي الحريشي
من المعروف في العقيدة القتالية الصهيونية، أن الحرب لاتنتهي إلا بعد تحقيق الأهداف العسكرية، فلامكان في قاموس العدو الصهيوني العسكري، بما يسمى بحلول الوسط، والتنازل المتبادل من قبل طرفي النزاع من أجل السلام، تتجاوز العقيدة القتالية الصهيونية تلك القاعدة القتالية في حالة واحدة فقط، وهي عندما تهزم عسكرياً في ساحة المعركة من عدوها الذي تواجهه، مثلما حدث في حرب عام 1973 أمام الجيش المصري، أو مثلما حدث في حرب 12 يوماً مع إيران في الفترة الماضية، حتى وإن خضع العدو الصهيوني لوقف عملياته العسكرية من قبل تحقيق أهدافه من الحرب، فذلك يتم بفعل ضغوط من قبل الرئيس الأمريكي، لأن الرئيس الأمريكي «أي رئيس أمريكي»، هو وحده القادر على ممارسة ضغوط على الحكومة الصهيونية، لوقف أية عملية من عملياتها العسكرية، كما حدث في حرب العدو الصهيوني مع حزب الله عام 2006، وفي عمليات العدوان على غزة، في مراحل ماقبل عملية طوفان الأقصى مثل عملية سيف القدس، فإن توقف العدوان الصهيوني في تلك الحالات، وتحت الضغط الأمريكية أوتحت ضغوط داخلية صهيونية، فإنه يعتبر توقف تكتيكي ومرحلي فقط، حتى تتحسن الأوضاع السياسية والعسكرية للعدو قبل معاودته شن عدوان جديد، فالهدف الصهيوني من الحرب ضد حزب الله هو القضاء التام على مقاومته ووجوده السياسي وكذلك مع مقاومة حماس، لأن الحرب والعدوان الصهيوني، هو حرب الخائف المتوتر المليء بالقلق والخوف على مستقبل وجوده كدولة محتلة للتراب الفلسطيني، تدرك العصابات الصهيونية أن وجودها في أرض فلسطين هو وجود مؤقت، يقوم على عوامل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي والغربي اللامحدود، ويقوم على وجود الخلافات والنزاعات والتمزق العربي والإسلامي، بغير وجود الدعم الأمريكي والغربي والشتات العربي والإسلامي، لن تبقى ماتسمى بدولة « إسرائيل» على أرض فلسطين.
تجهد حكومات العدو الصهيوني على بقاء عوامل وجودها في فلسطين بكل ما أوتيت من قوة، سواء في بناء قوات مسلحة تمتلك أحدث الأسلحة الأمريكية والغربية بما فيها الأسلحة النووية، وبناء أجهزة مخابرات قوية، وبناء علاقات سياسية دولية خاصة مع الدول الغربية ومختلف دول العالم، والتغلغل في الدول العربية الوظيفية العميلة، كما هو حادث مع حكومة الإمارات العربية المتحدة، والسعي الحثيث لتأليب الإدارة الأمريكية لفرض الحصار وشن حروب ضد الدول التي تشكل تهديداً لدولة كيان العدو مثل إيران، والسعي لزرع الخلافات والنزاعات بين الدول العربية وداخل المكونات السياسية والإجتماعية في كل قطر عربي وإسلامي، وغيرها من الأمور التي تبرز ملامح السياسات الصهيونية المعادية، لأن العصابات اليهودية المحتلة، يدركون في أعماق مشاعرهم، أنهم محتلون، ولن يدوم بقاؤهم على أرض عربية محتلة، مهما كانت قوتهم ومهما طال بهم الزمن، إلا بعاملي الدعم الأمريكي والغربي والشتات العربي والإسلامي.
اليوم الداخل الصهيوني يتألم ويتجرع مرارات الخيبة من النهاية التي آلت إليها حربهم المدمرة على قطاع غزة التي إستمرت عامان من دون تحقيق أي من الأهداف، التي أعلنوها من العدوان على الشعب الفلسطيني، فبرغم الدمار الكبير والخسائر الباهضة في صفوف أبناء غزة والحصار والتجويع، لم تحقق حكومة العدو الصهيوني أي من الأهداف المعلنة في عدوانهم على الشعب الفلسطين، فلم تقض على مقاومة الشعب الفلسطيني بغزة «حماس والجهاد وبقية فصائل المقاومة»، ولم تهجر سكان القطاع إلى خارجه، ولم تكسر شوكة قوى محور المقاومة، ولم تستطع تحرير أسراها داخل القطاع بوسائل القوة. اليوم هناك تباينات شديدة وإختلافات عميقة، بين المكونات السياسية الصهيونية، بسبب فشل تحقيق أهداف الحكومة الصهيونية من العدوان والحرب المدمرة، إذن كيف وافقت الحكومة اليمينية الصهيونية المتطرفة على وقف إطلاق النار في غزة؟ رغم عدم تحقيق أي من أهداف العدوان؟ هل الحكومة والجيش والشعب الصهيوني راضيبن ومقتنعين بوقف الحرب؟ الجواب بإختصار لم توافق الحكومة الصهيونية على وقف الحرب ضد الشعب الفلسطيني، بل الصحيح هو: أن الرئيس والحكومة الأمريكية، هم من أجبر الحكومة الصهيونية على وقف العدوان والحرب الهمجية المدمرة، فالحكومة والجيش الصهيوني غير مقتنعين بوقف الحرب والعدوان على الإطلاق، كان ذلك مايعبر عنه موقف الحكومة الصهيونية حتى قبل موعد مؤتمر شرم الشيخ بأيام قليلة .
قرار وقف الحرب في غزة هو قرار أمريكي، وهو قرار اللوبي اليهودي والصهيوني داحل الإدارة الأمريكية، ودافعهم هو الحفاظ على مستقبل الدولة والوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، ككيان يحفظ المصالح والنفوذ والهيمنة الأمريكية والغربية في قلب العالم العربي والإسلامي، ولايهمهم وجود الحكومة الصهيونية الحالية من عدمها. عندما طال العدوان الصهيوني على غزة، وماسببه من دمار وقتل وكوارث إنسانية هزت الضمير العالمي، إنتفضت دول وشعوب العالم ضد الممارسات الإجرامية الصهيونية في غزة، وأتخذت معظم الدول الأوروبية مواقف سياسية مناهضة للعدو الصهيوني، وبالتالي أصبحت أمريكا هي الداعم والمساند القوي للجرائم الصهيونية في غزة وفي المنطقة، فعندما أخذت المواقف الدولية بالتصاعد ضد العدو الصهيوني، خاصة في المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، كل ذلك أدخل القلق العميق في الإدارة الأمريكية واللوبي اليهودي الصهيوني، كانت القنبلة التي أنفجرت في وجوهيهم، هي عندما هم رئيس حكومة العدو الصهيوني «ناتنياهو»، بإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكيف خرج ملوك ورؤساء وممثلي دول العالم، من القاعة مقاطعة لكلمته، وتعبيراً عن رفض سياسات وممارسات جيش وحكومة العدو الإجرامية، في حق الشعب الفلسطيني ووفي حق أبناء المنطقة، ذلك الموقف هو الذي أجبر الرئيس والحكومة الأمريكية واللوبي اليهودي الصهيوني في أمريكا، لإتخاذ قرار وقف العدوان الصهيوني في المنطقة، ليس حباً ورحمة وشفقة بالشعب الفلسطيني، لكن خوفاً على وجود ومستقبل دولة كيان العدو الصهيوني المحتل، وخوفاً من العزلة الدولية التي تنتظرها حكومة كيان العدو، وخوفاً من بوادر توحد في مواقف الدول العربية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية، تلك العوامل والفشل الصهيوني في حسم العدوان على غزة في أوقات قياسية، وخوفاً من إنهيار الأوضاع السياسية داخل الحكومة والمجتمع الصهيوني، تلك العوامل هي التي دفعت الرئيس الأمريكي «ترامب» مدعوماً من الدولة الأمريكية العميقة، ومدعوماً من اللوبي اليهودي الصهيوني في أمريكا، وجعلته يتدخل لإتخاذ قرار وقف العدوان الصهيوني، في مشروعه الذي أسماه «خطة ترامب للسلام في غزة»، وهو في الحقيقه قرار لإنقاذ الحكومة والكيان الصهيوني من المستقبل المجهول الذي ينتظروه.
لذلك ترى حكومة العدو أنها لم تحقق أهداف العدوان على قطاع غزة، وغيرمقتنعة بمشروع السلام في المنطقة، لكن أوضاعها الداخلية الهشة وخيبة أملها لاتسمح لها بالمناورة ومعاودة العدوان، لكن ذلك يضل إحتمالاً ضعيفاً، في ظل المكاسب العسكرية والسياسية التي حققتها المقاومة الفلسطينية، وظهورها القوي في مناطق غزة، عقب إنسحاب الجيش الصهيوني من أجزاء من القطاع.
الخلاصة خسر الكيان الصهيوني المعركة خلال العامين الماضيين، رغم الدمار والقتل في مدن ومخيمات القطاع، و بالتالي كسبت المقاومة والشعب الفلسطيني وقوى محور المقاومة المعركة سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً، لم تخسر المقاومة الفلسطينية ولم تنهزم حتى وإن تخلت عن إدارة قطاع غزة، فسوف تضل روح المقاومة مغروسة في نفوس الشعب الفلسطيني تحت أي ظرف من الظروف حتى تحرير فلسطين وزوال الإحتلال، لقد تحطمت في معركة طوفان الأقصى هيبة وأسطورة القوة العسكرية الصهيونية والأمريكية التي لاتقهر، تحطمت على أيدي مقاومة الشعب الفلسطيني وقوى محور المقاومة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
