بسّام أبو عبدالله
في سوريا، حيث كانت حلب ودمشق تُدرّسان المقامات وتحتفيان بالموشحات، تحوّل تحطيم آلة كمان في معهدٍ موسيقيٍّ إلى رمزٍ لانتصار الظلامية على الجمال. يكشف الحدث تغوّل خطابٍ دينيٍّ متشدد يسعى إلى محو الذاكرة الثقافية، وتحويل الفرح إلى خطيئة، والفن إلى كفر، والوطن الموسيقي إلى صحراء روحية صامتة
*
الأذن التي لا تسمع اللحن… لا تسمع صوت الله! من يستمع إلى تاريخ سوريا لا يسمعه بالحروف، بل بالألحان. هذا البلد كانت موسيقاه قبل أن تولد جمهوريته، وفولكلوره تناغم مع مجتمعاته وجغرافيته. فمن الموشحات الأندلسية التي ترددت في حارات دمشق القديمة، إلى الدبكة الجبلية في صافيتا، وإلى القدود الحلبية التي حفظت أوزان الشعر والروح معاً، كانت الموسيقى لسان الأرض، ونبض الإنسان السوري منذ فجر التاريخ. فيها تعزف الطبيعة أغنيتها الأبدية: من زقزقة العصافير في غوطتها، إلى وقع المطر على حجارتها العتيقة، إلى ناي الفلاح في المساء وهو يغني للقمح والنهر والحب.
الفولكلور الشعبي السوري لم يكن ترفاً، بل خلاصة هوية، امتزجت فيها الأصالة بالوجدان، والمقام بالذاكرة، والصوت بالحكاية. فكل قرية كانت تمتلك لحنها الخاص، وكل مدينة قصيدتها الموزونة على مقامات العشق والكرامة.
حلب مثلاً، لم تُعرف فقط بالمقامات، بل كانت جامعةً موسيقيةً مفتوحةً أنجبت فنانين جعلوا من النغمة علماً ومن الطرب فلسفة. ودمشق، أمّ المدائن، التي سكنها الغناء منذ الموشح الأول وحتى آخر صدى للعود في مقهى «النوفرة»، احتضنت عبر قرونٍ موسيقيين جعلوا من الفن رسالة إنسانية لا تُختزل في ترفٍ أو لهو. لقد قدّم الموسيقيون العرب – من مصر إلى الشام – مدرسة روحية في الفن، كان فيها محمد عبد الوهاب معمار اللحن، ورياض السنباطي عبقري النغم، وبليغ حمدي ومحمد الموجي سحرة الإيقاع العربي.
وراؤهم أصواتٌ خالدة كسرت الحدود بين الإنسان واللهفة: أم كلثوم التي كانت تغني وكأنها تصلي، وفيروز التي جعلت الصباح طقساً مقدساً للروح، ووديع الصافي ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ الذين جعلوا من العاطفة مرآةً لكرامة الإنسان.
هؤلاء جميعاً لم يكونوا مجرد مطربين، بل رسل سلامٍ ثقافيٍّ، صنعوا وجدان الأمة بقدر ما صنع الأدباء فكرها. حين كتب نزار قباني عن الحب، كانت فيروز تغني له بلغةٍ تذيب الحجر.
وحين أنشد محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، كانت الموسيقى تصدّق عليه، لأنها وحدها التي تجعل الحياة تستحق أن تُعاش. ولم يكن هذا الفن حكراً على الشرق، فقد أدرك كبار فلاسفة الغرب جوهر الموسيقى قبل أن تُمسخ إلى «حرام» على أيدي المتزمتين. قال نيتشه: «من دون الموسيقى، تصبح الحياة غلطة». وقال أفلاطون إنّ «الموسيقى تُعطي الكون روحه، والعقلَ أجنحته، والخيالَ طيرانه، والحياةَ سحرها».
يعبّر هذا الرفض المرضي للموسيقى عن كبتٍ عميقٍ للرغبة في الحياة
أما تولستوي فكان يرى أنّ «الموسيقى تُعبّر عمّا لا يمكن قوله بالكلمات، وما لا يستطيع الصمت السكوت عنه». فكيف يمكن لأمةٍ كانت موسيقاها فيروزيةَ الصباح، وعودُها حلبياً، وشجنها نزارياً، أن تُساق اليوم إلى كهوف التحريم؟ كيف تحوّل الصوت الذي كان يوحّد الناس في الفرح، إلى تهمةٍ وكفرٍ عند فئةٍ من أدعياء الدين؟
ما الذي يجعل هؤلاء يكرهون الموسيقى؟ ولماذا يصرّون على ربطها بالفسق والانحلال؟ الجواب بسيط، لكنه عميق من حيث التحليل النفسي: إنهم يخافون الجمال لأنه يفضح قبحهم، ويكرهون التناغم لأنه يعكس فوضى نفوسهم. فالموسيقى هي لغة التوازن، بينما يعيشون هم في عالمٍ من التشنج والاضطراب والصرامة الخشنة.
لا يستطيعون فهم أن الإيقاع ليس رجساً من عمل الشيطان، بل جزء من النظام الكوني ذاته، من نبض القلب إلى حركة المجرات. من منظور التحليل النفسي، يعبّر هذا الرفض المرضي للموسيقى عن كبتٍ عميقٍ للرغبة في الحياة، وعن عقدةٍ تجاه الجسد والفرح، إذ يرى هؤلاء في كل لحنٍ تهديداً لنظامهم الداخلي القائم على المنع والتحريم والإنكار. فالموسيقى تستدعي العاطفة، والعاطفة تعني إنسانية، والإنسانية تعني تفكيراً، والتفكير يعني شكّاً، والشكّ هو عدوّهم الأكبر.
لذا، فإن تحطيم آلة موسيقية هو بالنسبة إليهم طقس رمزي: قتلٌ للصوت الحرّ في داخلهم قبل أن يكون اعتداءً على الفن. أما في علم النفس الاجتماعي، فإن الظاهرة تعبّر عن نزعةٍ سلطويةٍ قمعيةٍ تُخفي خلف قناع الدين خوفاً من الفرد المختلف، فالمجتمع الموسيقي مجتمعٌ متنوع ومتعدد، بينما يطمحون هم إلى مجتمعٍ رماديٍ بلا ألوان، حيث الجميع يرددون نشيداً واحداً بنغمةٍ واحدة، كما تفعل الجيوش حين تخشى أن يفكر الجنود خارج الإيقاع.
في سوريا، حيث كانت حلب تُدرّس المقامات، ودمشق تحفظ الموشحات كتراثٍ مقدّس، يبدو مشهد تحطيم آلة كمان في معهدٍ موسيقيٍّ سوريٍّ نوعاً من الردّة الثقافية، لا الدينية فقط. إنهم لا يحطّمون الآلات، بل يحاولون تحطيم ذاكرة هذا البلد، وتحويله من وطنٍ غنيٍّ بالإبداع إلى صحراءٍ صامتة، لا يُسمع فيها إلا الصراخ والخطب الجوفاء. ولأنّ هؤلاء المتزمتين يعجزون عن الإبداع، فهم يسعون إلى إخضاع كل ما لا يفهمونه تحت سيف التحريم. تماماً كما فعل أسلافهم الذين حرّموا الرسم ثم استخدموه لتزيين قصورهم، وحاربوا الشعر ثم استعانوا به لتمجيد سلطتهم. هم لا يكرهون الموسيقى لأنها حرام، بل لأنها حرّة، ولا يتحمّلون الحرية لأنها تُعرّي خواءهم الداخلي.
السخرية المؤلمة أن من يدّعي أنه يحارب «الموسيقى الغربية الفاسدة»، لا يجد مشكلة في الاستماع إلى ضجيج الحرب والقصف والدمار. فالانفجار بالنسبة إليه ليس حراماً، لكن عزف العود حرام!
أيُّ نفاقٍ هذا الذي يجعل صوت الحياة أكثر إزعاجاً لهم من صوت الموت؟ إن هؤلاء ليسوا سوى المتخلفين الجدد الذين يختبئون خلف لحية طويلة ومفردات مقدّسة لتبرير عقدهم، وهم لا يمثلون الدين، بل فشلاً نفسياً في التكيف مع الجمال والحياة. فالموسيقى كانت وستبقى لسان الروح، ومن يحطمها، إنما يعلن إفلاسه الروحي، وخوفه من مواجهة ذاته، لأن الوتر عندما يهتز… يوقظ الإنسان الذي في داخله، وهم يخافون الاستيقاظ أكثر مما يخافون المعصية.
قال جبران خليل جبران: «الموسيقى تعبّر عمّا لا يُقال، وتكشف ما لا يُرى، وتُعيد إلى الروح صفاءها إن غمرها غبار الحياة». ولكي لا يُقال إننا نتحدث خارج النصوص، فإن الإسلام لم يحرّم الموسيقى تحريماً قاطعاً كما يدّعي المتزمتون، بل تركها في دائرة الذوق والنية والسياق. فالقرآن لم يذكرها بلفظها، والنبي لم يقدّم فيها حكماً نهائياً، بل سمع الغناء في الأفراح، وأجاز الدف في الأعياد. ما فعله هؤلاء هو تحويل رأيٍ فقهيٍّ إلى نصٍّ مقدّس، وتحويل ذوقٍ شخصيٍّ إلى شريعةٍ عامة.
وهنا يظهر جوهر المشكلة: حين يصبح الجمود عقيدة، والمزاج فتوى، والجهل ديناً. من يكره الموسيقى يكره المرآة التي تعكس ضعفه الداخلي. ومن يحطم آلة موسيقية يحطم رمز الحياة في مجتمعٍ يحاول البقاء وسط الركام. ليست الموسيقى هي الخطر على الإيمان، بل هؤلاء المتخشبون الذين جعلوا الدين جداراً ضد الجمال، بدل أن يكون جسراً نحو الروح. فحين يصمت الوتر، تصمت الروح، وحين يُحرَّم اللحن، يُحرَّم الفرح، وحين يخاف الناس من الجمال، يصبح القبح نظام حياة. وهكذا، بين نغمةٍ حيةٍ وصوتٍ محنّط، سنبقى نختار اللحن، لأن من يخاف الموسيقى… يخاف الحياة نفسها.
* كاتب سوري
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
