أمين السكافي
في قلب صيرورة الصراع الإقليمي التي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، يقف لبنان اليوم على مفترق طريق لا يقلّ خطورة عن الحروب المفتوحة. فبين مطالب واشنطن وتل أبيب بتسليم سلاح حزب الله، وبين القصف الإسرائيلي اليومي الذي يركّز – ظاهرياً – على «تفكيك قدرات المقاومة»، يقبع اللبنانيون في حلقة ضيقة: هل تُستأنف التجاوزات والضغوط الحربية ما لم يُقدّم الحزب تنازلات؟ وهل هناك من حلّ يُبعد الدولة اللبنانية والمجتمع عن الوقوع مرة أخرى في حرب بلا قرار داخلي؟
أطراف الطبخة الدولية والإقليمية
• من جهة، تضع الولايات المتحدة شرطاً صريحاً – ضمن مقترحات وخرائط طريق تم تسريبها – مفاده أن لبنان لن يحصل على الدعم الدولي أو إعادة الإعمار ما لم يُعلن تسليم سلاح حزب الله ويتحقق «احتكار الدولة للسلاح».
• من جهة ثانية، إسرائيل تشترط ضمناً أن يُفصل ملف حزب الله عن ضغوطها الأمنية: فهي تستبق إثباتًا بأن لبنان سيضع حدّاً لقدرات الحزب الصاروخية، قبل التراجع عن الضربات اليومية على الجنوب اللبناني.
• من الجانب العربي – خاصة دول خليجية أو عربية تسعى لإعادة التوازن مع لبنان – تبدو المشاركة مرتبطة بمواضيع إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، لكنها غالباً تشترط تنفيذ بنى سيادية داخل لبنان (احتكار الدولة للسلاح، إصلاحات مالية، محاربة الفساد) قبل ضخّ الأموال.
لماذا لا يمكن للحل أن يكون بسيطاً؟
1. معضلة «من يبدأ أولاً»: لبنان يُردّد أن سلاح حزب الله لا يمكن تنازله ما لم تقم إسرائيل أولاً بسحب قواتها من التهداّد المستمر جنوباً، ووقف ضرباتها الجوية. بالمقابل، إسرائيل والولايات المتحدة تقولان إن القرار اللبناني وحده أو الحزب وحده هو الذي يجب أن ينفّذ أولاً.
2. قدرة الدولة محدودة: على الورق، يطالب لبنان ومن خلفه المجتمع الدولي بأن الجيش اللبناني يُصبح الجهة الوحيدة المسلحة. لكن الواقع البناني ــ أزمة مالية، بنية تحتية ضعيفة، جيش محدود الإمكانات ــ يجعل من تنفيذ ذلك أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً في ظرف تُمارَس فيه ضربات يومية.
3. شرعية المقاومة لدى جمهور حزب الله والمناطق التي ينشط فيها: حزب الله يُروّج لنفسه بأنه «درع لبنان» ضد إسرائيل، ويجد جمهوراً واسعاً يجمّله باعتباره قوة ردع. إن طلب تسليمه السلاح يُقرأ من زاويته كشكل من أشكال التخلّي أو الخضوع، مما يجعله يرفض بشدة أي شروط تُربطه بـ «التسليم».
4. خطر الانفجار الداخلي: أي محاولة مفروضة أو سريعة لتفكيك قدرات الحزب قد تُشعل صراعاً داخلياً طويل الأمد في لبنان، وهو أمر يُخشى منه كثير من المراقبين.
ما الذي يحصل حالياً؟
• الحكومة اللبنانية بدأت في وضع صيغة ردّ على المقترح الأميركي الذي يربط بين تسليم السلاح وسحب إسرائيل.
• الحزب بدا مستعداً لمراجعة دور تسليحه، لكن ليس لتسليمه الكامل.
• إسرائيل ما زالت تحتفظ بمواقع في جنوب لبنان، وتواصل الضربات الجوية، مما يعطّل تنفيذ أي خطة ديمقراطية كاملة.
لماذا تبدو الدوامة مستمرة؟
لأن كل طرف ينتظر الآخر، والظروف الداخلية اللبنانية لا تسمح بحل فوري. لبنان يدور في حلقة: «نسلّم السلاح → تُوقف إسرائيل الضربات → نستعيد الجنوب واستقرار الدولة». لكن إسرائيل لا تثق في خطوة الحزب وحده، والحزب لا يثق في خطوات إسرائيل أو الدولة اللبنانية، والدولة اللبنانية تفتقر إلى قدرة إنفاذ واقعية. هذا الثلاثي يولّد مناخاً من الجمود.
الحلول المنطقية المقترَحة
إليك بعض التصورات التي يمكن أن تُشكّل قاعدة للخروج من هذا المأزق، مع ملاحظة أنها ليست سهلة التنفيذ:
1. صفقة تبادلية واضحة: لبنان يطالب بأن تُوقف إسرائيل الضربات فوراً وتنسحب من المواقع المحتلّة، في مقابل أن تبدأ الدولة اللبنانية – بحضور الأممية – نقل أسلحة الحزب إلى مخازن تحت إدارة الجيش اللبناني، مع جدول زمني واضح.
2. تعزيز قدرات الدولة اللبنانية أولاً: قبل أي مفاوضات حقيقية، يجب ضخ دعم دولي فوري لتمكين الجيش من فرض السيطرة وتثبيت الأمن في الجنوب، وهذا يتضمّن تدريباً، تجهيزاً، وتغطية قانونية وسياسية.
3. آلية مراقبة دولية/أممية: ينبغي إقامة لجنة دولية تضم الأمم المتحدة والدول الضامنة، لمراقبة انسحاب إسرائيل وتسليم الأسلحة، وتسجيل المخزون الحالي وكل ما يُنقل.
4. دمج حزب الله في إطار الدولة: ليس تسليماً فورياً كاملاً، بل تحويل دوره من «ميليشيا» إلى «محور مقاومة تحت قيادة الدولة» أو إعادة هيكلة تسليح ضمن قانون الدولة – بحيث يتم تحديد ما يُعتبر «سلاحاً وطنياً» وما يُعتبر «خارج المؤسّسة».
5. خطة إعادة إعمار شاملة ومشجّعة: لجعل المقابل ملموساً لدى المجتمع اللبناني (خصوصاً في المناطق المتضرّرة)، وبالتالي ربط التسليم بخدمة اجتماعية واقتصادية.
6. ضمانات أمنية متبادَلة: لبنان بحاجة إلى ضمان بأن الدولة ستُحمى من العدوان الإسرائيلي، وإسرائيل بحاجة إلى ضمان بأن لبنان لن يُستخدم منصة للهجمات من قبل الحزب أو غيره.
ما مدى وجود أفق لحل؟
نعم، هناك أفق محدود وليس مضموناً. بعض المؤشرات تقول بأنّ الحكومة اللبنانية بدأت تتحرّك نحو الموافقة على «أهداف» المقترح الأميركي بـ احتكار الدولة للسلاح. وكذلك، الحزب الداخليًا بدأ بمراجعة دوره التسليحي، وإن بصورة مترددة.
لكن:
• ما زالت إسرائيل تُخرق وقفالنار وتحتفظ بمواقع، مما يُضعف المفاوضة من الجانب اللبناني.
• الحزب ما زال يرفض التفكيك الكلي أو التسليم الكامل، ويعتبر أن من يطلب ذلك يخدم إسرائيل مباشرة.
• لبنان داخلياً يعاني من أزمة اقتصادية وسياسية تضعف قدرته على تنفيذ بنى الدولة.
بالتالي، ربما نكون أمام حل «جزئي» أو «مرحلي» في 2025 أو 2026: يسلم الحزب بعض مخزونه الثقيل، الدولة تتوسّع في الجنوب، إسرائيل تقلّل الضربات، بينما تُترك بعض القدرات للدفاع الذاتي تحت إشراف الدولة. لكن حلّاً نهائياً ينهي كل الأسلحة الثانوية أو يقضي على قدرة الحزب تماماً يبدو بعيد المنال في الزمن القريب .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
