أ. د. مكرم خُوريْ – مَخّوُلْ
@ProfMKM
كان من حمل على ظهره المقسوم، القليل من المتاع وشحُ من المياه. وسارت تلك الأم التي استشهد زوجها قبل عام وهُدم بيتهم تتصبب عرقاً إذ كانت مثقلة بحمل طفلها الصغير ملطخ الوجه ماسكة بيدها اليسرى، طفلتها التي تكبر أخاها وتبكي.
وجرّ ذلك الشيخ زوجته المرهقة ليأتي العون من كهل أتى من طرف الطريق الطويل الممتد على طول الساحل الفلسطيني القابع جنوبي يـافـا (على بعد ٤٠ كم) ليمد يد المساعدة بينما كانت تدل لحيته المُهملة أن وجهه رأى أياماً أفضل بكثير.
ألآف المشاهد المتنوعه مرسومة بزيت الدموع على وجوه نحو مليوني فلسطيني عائدين إلى لا بيت ولا حارة ولا غرفة نوم ولا مطبخ يُعدّون به طعامهم الغائب.
فقدوا الراحة كلياً والنوم بالمجمل والاستقرار أصبح حلماً. أنهكهم علقم التعب ومرارة العذاب. تغير روتينهم وتعكر صفوهم ونحفت اجسادهم وجاعت أمعائهم وتشقق جلدهم وجفت مآقيهم من ذرف الدموع.
لم يبقى مكان يحدد الخصوصية او لمجرد ممارسة الأنشطة الأساسية. فلا عمل ولا أماكن للعمل. لا مدارس ولا تعليم ولا جامعات ولا ترفيه ولا مقهى انترنت .
قام #الاحتلال_الإسرائيلي في عامي #العِرقبادة بهدم بيوت الفلسطينيين الغزيين في قطاع غزة بشكل مقصود وممنهج اثار فرحة نفوسهم المريضة.
كان منهم من أهدى تفجير المبانى كهدية عيد ميلاد لاولادهم! جرائم كارثة #العِرقبادة لم تُقترف بشكل عفوي أو عشوائي من قبل الصهيونية الفاشية.
هذا ما جعل موقعاً إعلامياً عبرياً يُعنونُ بعد الإعلان عن الاتفاقية في منتصف اكتوبر 2025 ، صورة عودة الفلسطينيين بـ “عائدون إلى لا مكان”!
فقد عرفت “عقول” الحركة الصهيونية أنها عندما تستهدف المنازل إنما تعرف أن فقدان المنزل، وهو رمز الأمان والاستقرار، يسبب صدمة نفسية شديدة. فقد يعاني الأفراد، خاصة الأطفال، من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) نتيجة مشاهدة الهدم أو فقدان مكان إقامتهم. أرادوا حرق مجموعة وجعل مجموعة
أخرى مريضة وأخرى معاقة جسدياً وأخرى معاقة نفسياً.
قبل أن يتم ترحيل عائلته قسرياً من بيتهم في مدينة غزة كتب لي صديقي:
“لقد أجبرونا على الرحيل! خرجت وعائلتي- ومعنا كل سكان الحي – طبعنا قبلات الوداع على جدران منازلنا- أو ما بقي منها- والتي كنّا رمَّمناها بعد القصف الأول والنزوح الأول، وقد تركنا أرواحنا معلَّقة على عتبات الديار وشرفاتها وأبوابها.. النزوح يشبه نزع الروح من الجسد يا صديقي!”.
فالمنزل ليس مجرد مكان مادي، بل هو فضاء عاطفي وجسدي يحمل ذكريات الأولاد وهوية العائلة .
بعد اسبوع من رسالته لي قصفت عصابات القتل الصهيو-أمريكية المبنى فتم إسقاطه عن بكرة أبيه.
أدّى هدمه إلى شعور بالفقدان العميق، والإحباط، والعجز أمام الافتراس الدموي، مما أثّر على الثقة بالنفس والشعور بالسيطرة على الحياة.
بدأ الأطفال يعانون من اضطرابات في النوم، ومن كوابيس الرعب وظهر السلوك العدائي لدى احدهم والانطوائي لدى الآخر نتيجة فقدان الأمان والاستقرار. وقد ينخفض – هذا عندما تبنى مدارس – الأداء التعليمي الأكاديمي والثقة بالذات قد تتضرر .
وقام الاحتلال بهدم المنازل والمحال التجارية والمكاتب وقد خلق لدى الغزيين حالة من القلق المزمن. الأفراد يعيشون في خوف دائم بسبب عدم استطاعتهم معرفة توقيت عودتهم إلى مأوى – أي مأوى- أصلاً، مما يؤثر على استقرارهم النفسي ويزيد من التوتر.
وبهدم المنازل أضرت العِرقبادة الارتباط العاطفي. وزاد منسوب الشعور بالحنين إلى المكان الذي تم الابتعاد عنه. فلا عودة اليه ولا من امكانية لاسترجاع الراحة النفسية المعهودة من العودة. فستكون عودة دون مأوى.
يتبلور عبر مشاهدة ما حلّ بهم في العِرقبادةُ الغزّية الشعور الجامح بالظلم الناتج عن هدم بيوت حاراتهم بل مسح مدنهم. كما تراكم الغضب والكراهية تجاه الاحتلال الصهيوني. هل ممكن فبركة سلام بعد #العِرقبادة وبهذه السهولة ؟
فهدم البيت والحارة سبب صدمة نفسية فورية أدت إلى الشعور بالتجمد أو عدم التصديق Disbelief حيث يصعب عليه استيعاب الخسارة الصاعقة لمكان يمثل الملجأ العائلي الآمن. وأحياناً يصاب بفقدان جزء من الهوية الشخصية والجماعية.Self Identity
قام نتنياهو بهدم البيوت على طريقة “السلامي” (بالتقسيط مثل شرائح إصبع لحم المارتديلا) ليقود ذلك إلى الاكتئاب وفقدان الأمل في المستقبل لدى البعض الذي اخذ يشعر أن جهودهم لبناء حياة مستقرة هو بعيد المنال.
هذه التأثيرات السلبية الكارثية للعِرقبادة ليست مجرد ردود فعل مؤقتة، بل قد تترك ندوباً نفسية طويلة الأمد، خاصة في سياق الحصار المستمر والظروف المعيشية الصعبة.
وقد نشهد لدى بعض شرائح المجتمع الفلسطيني تفككاً اللروابط الاجتماعية نتيجة نسف عائلات كاملة من السجل السكاني وفقدان الأصدقاء والأقارب.
فالهدم أدى إلى التهجير والانتقال مراراً إلى أماكن جديدة غير صالحة للسكن الإنساني، مما يفكك شبكات الدعم الاجتماعي والعائلي. هذا يزيد من الشعور بالعزلة والوحدة يؤثر على العلاقات الاجتماعية ويزيد من التوترات في المجتمع.
قال لي صديقي المتواجد مع عائلته في جنوب غزة بعد الوصول إلى اتفاقية : “نحن في الخيمة وقد هدموا بالكامل العمارة التي كان بيتنا منها!
لا أعرف أين سنكون ونعيش وكيف سأحمي عائلتي.
يشعر الأولاد بالحنين المؤلم إلى الذكريات المرتبطة بالبيت والحارة، مثل اللحظات العائلية، الأصوات، أو حتى الروائح المألوفة، إلى غرفهم وكتبهم وملابسهم وصورهم،،، يشعرون بفراغ عميق نتيجة خسارة كل شيء.
احدى أهداف #العِرقبادة كان نسف المُركِب المكاني من نفسية الفلسطيني ليصبح قطاع غزة “مكان غير صالح للحياة” – Unliveable عبر قتل الشعور بالألفة مع الأماكن الغزّية مثل الأحياء، الشوارع، أو المعالم كالمساجد، والكنائس والأسواق.
امتنع النازيون عن قصف الأماكن الحضارية والأثرية الجميلة في باريس ولندن. أما نتنياهو فأخذ يتلذذ بتدمير كل معالم الحضارة والآثار والتعليم. عَمِل على تعذيب الفلسطينيون بشكل ساديّ عبر سلخ الأماكن ذات القيمة الثقافية والأثرية والرمزية .
ما بين امكانية الانهيار النفسي والصمود والتحدي ستلعب الذكريات والتمسك بها دوراً للحفاظ على الارتباط العاطفي مع المكان الصغير/ البيت، والمتوسط/الحارة والكبير/ البلد.
عموماً، اقترف أولاد محرقة #أوروبا: أي #الاحتلال_الإسرائيلي #إسرائيل #نتنياهو وعصاباتهم لمدة 24 شهرا جرائم كارثة #العِرقبادة بدون توقف في #غزة #فلسطين، عبر:
1)اقتراف الإبادة الجماعية
2) التطهير العِرقي وتهجير 2.3م #فلسطيني من وفي #غزة
3)تسوية #قطاع_غزة بالأرض و
4) قتل الحق #فلسطين #CleansOcide
لتنتهي قضية فلسطين مع نسف قطاع غزة.
نسفوا البيت الصغير تقريباً لكل العوائل. ولكن البيت القومي الكبير موجود. لم يتحرك. لم يُهدم. المكان هو الأرض والمكان هو البحر. الفلسطيني بحاجة إلى بيت ليس بالضرورة البيت ذاته. فهذا لن يعود. فهو ليس بحاجة إلى العودة إلى بيته الصغير لكي يعيد حياته. فليس لديه الوقت الطويل للوقوف على الأطلال رغم ارتباطه بجدران بيته ومقتنياته.
فالمكان الأوسع – هو قطاع غزة – هو الهوية الجمعية. فالوطن هو الهوية والأرض هي الانتماء. الاحتلال هو الصواريخ العابرة مهما قتلت – أما نحن – فنحن زيتٌ من دم وترابٌ من زعتر.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
