عندما تصبح الجامعة غنيمة حرب!

 

د. بسام أبو عبد الله
13 تشرين الأول / أكتوبر 2025

لم تكن الحادثة التي شهدتها كلية الآداب بجامعة دمشق، حين اقتحم مسلحون مكتب عميد الكلية واعتدوا عليه، بسبب طالبة دكتوراه رفضت تصحيح أطروحتها، حادثةً جامعية عابرة تُطوى تحت عنوان “أخطاء فردية”. ما جرى هو صفعة على وجه المجتمع السوري، وانعكاس مذهل لذهنيةٍ باتت تحكم السلوك العام في البلاد: ذهنية ترى السلاح وسيلة للحسم، والبلطجة طريقاً للهيبة، والجامعة ساحةً للتسلط لا للفكر.

أولاً، دعونا نتوقف عن تكرار أسطورة “تحرير الأرض” بالدراجات النارية والرايات السوداء. ما جرى في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ لم يكن تحريراً ولا نصراً مؤزراً، بل كان اتفاقاً إقليمياً ودولياً بامتياز — عملية استلام وتسليم كاملة المعالم، لم يعد خافياً دور أطراف إقليمية فيها، والشرع نفسه اعترف بالترتيبات التي تمت. لذا، كفّوا عن هذا الهراء. لم يعد ممكناً استحمار الناس برواية “التحرير المظفر”، فهناك سلطة أمر واقع فرضت نفسها، وتتعامل مع سورية بوصفها غنيمة حرب انتُزعت بعد غزو منظم، لا كدولة ذات سيادة
ومؤسسات، وفيها مواطنين، وليس ذميين، ورعايا لدى الخليفة.

ثانياً، الشعار الذي صار يُردد كل صباح — “من يحرّر يقرّر” — لم يهبط من السماء، بل ظهر مع صعود القوى السلفية والجهادية وسيطرتها خلال الأشهر الماضية، حين تحوّل السلاح إلى معيار للشرعية، وتحول “التحرير” إلى صكٍّ للهيمنة السياسية والاجتماعية. وهكذا نشأ وهمٌ خطير لدى البعض بأنهم يستطيعون أن يقرروا مصير الجامعات كما قرروا مصير المدن، وأن يفرضوا على الأكاديميا كما فرضوا على الدولة.

ثالثاً، من الطبيعي أن تدخل البلطجة إلى قاعات الجامعة ما دامت السلطة الانتقالية قد حرّمت النقد السياسي، وأحاطت نفسها بهالة دينية تُجرّم المساءلة. فإذا كان لا يُسمح بانتقاد الحاكم لأنه “خليفة”، فكيف يُسمح بنقد طالبة دكتوراه؟ وإذا كان النقد في السياسة كفراً، فسيصبح النقد في الأكاديميا جريمة. وحين تُكفّر الفكرة، يُقدّس الجهل.

رابعاً، ما يُقال عن “الأخطاء الفردية” أصبح مهزلة وطنية كبرى. فهل مجازر الساحل “أخطاء فردية”؟ ومجازر السويداء كذلك؟ وخطف الأطفال؟ واغتيال المعلمة؟ والاستيلاء على أملاك المواطنين؟ والتمييز في الوظيفة العامة؟ وإنشاء جيش سلفي جهادي؟ وحماية المرتزقة الأجانب ودمجهم في مؤسسات السلطة الانتقالية؟ والفساد الذي يُدار من أعلى الهرم؟ وحكم العائلة؟ والقضاء والأمن اللذان تحولا إلى تكايا دينية تُدار بمزاج الشيخ؟ كل هذا — حسب السلطة — “أخطاء فردية”! أي عبث هذا؟ أي استهزاء بعقول الناس؟ يبدو أن الجريمة أصبحت نمط حكم، وأن “الخطأ الفردي” صار سياسة دولة.

خامساً، المضحك المبكي أن مذيع “الإخبارية السورية” سأل أستاذاً جامعياً عمّا إذا كان ينبغي معالجة الحادثة “كي لا تسيء إلى سمعة الدولة”! أي دولة؟ تلك التي يُضرب فيها عميد كلية تحت تهديد السلاح؟ أم الدولة التي تحتاج لمسلحين لتصحيح أطروحة دكتوراه؟ الحديث عن سمعة الدولة في بلدٍ تُنتهك فيه مؤسساتها على الهواء مباشرة يشبه حديث الواعظ عن العفة في بيت للدعارة.

سادساً، جوهر الكارثة أن الاعتداء على الجامعة هو اعتداء على العقل نفسه. حين يُستبدل الحوار بالتهديد، والمنهج بالولاء، والجدل العلمي بالانبطاح السياسي، تتحول الأكاديميا إلى نسخة مصغرة عن الذهنية السائدة، والمهيمنة في السلطة و المجتمع. وهكذا نُنشئ جيلاً يؤمن أن الحقيقة تُنتزع بالقبضة، وأن الولاء أهم من الكفاءة، وأن الخضوع هو طريق النجاة.

سابعا- لنتذكر ما قاله الفلاسفة الذين بنوا جوهر الفكر الإنساني:
قال سقراط إن “الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش”، وقال كانط إن “التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي جلبه على نفسه”، وقال جون ستيوارت ميل إن “حرية الرأي شرط وجود الحقيقة”. السلطة التي تخاف النقد تُنبت جمهوراً غوغائياً يعبد الشعارات ويكسر أبواب الجامعات تحت شعار من يحرر يقرر، ويظن أن امتلاك السلاح يعني امتلاك الحقيقة.
نصيحة أخيرة — ولعلها الأهم — أوقفوا هذا الهراء، هذا الاستعلاء المَرَضي والفوقية المقززة واحتقار الآخر المختلف معكم. توقفوا عن خداع أنفسكم بتبرير الكوارث بأنها “أخطاء فردية”. فأنتم لا تديرون دولة بل تغرقونها في عبثكم. وسقوطكم، صدقوني، لن يكون بطيئاً ولا تدريجياً، بل سقوطاً حراً وسريعاً، لأن من يحتقر العقل يسقط من أعلى الهرم دون أن يشعر.
كفى… يعني…كفى

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …