فواز الجنيد ابو هاشم
ليس مجرد نص يُقرأ، بل حالة وجدانية عميقة تحرّك العقل والروح معًا. حين قرأته، شعرت أنني أمام تجربة إنسانية وروحية ناضجة، تتجاوز ظاهر الكلمات لتصل إلى لبّ الحقيقة التي ضاعت وسط الزحام الديني والشكلاني.
منذ السطور الأولى، يضعنا الكاتب أمام مفهوم جوهري أن الإنسان، متى ما كانت فطرته سليمة وقلبه نقيًا، فإنه أقرب إلى الله من كثير ممن يتكئون على شكليات فارغة أو مظاهر التدين. لم يعتمد المقال على تنظير ديني تقليدي، بل انطلق من فهم عميق ومباشر لنقاء العلاقة بين الإنسان وخالقه، مفاده أن القرب الحقيقي من الله لا يُقاس بالمظاهر، بل بصفاء السريرة واستقامة الفطرة.
وقفت طويلًا عند إشارته إلى القلب والفطرة، إذ هما بوابة الهداية، لا الملف ولا السيرة الذاتية، لا التوصيفات الاجتماعية ولا التزكيات الشكلية. وقد دلل على ذلك بقول الله تعالى “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”، في استحضار دقيق يعكس فهمًا واسعًا لمعاني القرآن وتطبيقه في الواقع الحياتي.
ما يلفت في أسلوب السيد هشام أنه لا يصرخ في قارئه، بل يهمس له بلغة مؤمنة، رصينة، ناعمة، لكنها عميقة ومؤثرة. لا تجد في مقاله تكلفًا ولا ادعاء، بل تجد روحًا متصالحة مع ذاتها، واعية بموقعها من الطريق، تدعو دون فرض، وتبصر دون إدانة.
وإذا كنت تبحث في هذا العصر المزدحم بالتشويش عن ما يعيد ترتيب بوصلتك الإنسانية، فإن هذا المقال يقدّم لك المفتاح بهدوء. لا يغرقك بالمصطلحات الفلسفية، ولا يشتتك في الجدل، بل يعود بك إلى البساطة الأولى، إلى الدين في جوهره: “المحبة”؛ المحبة التي لا تُشترط، ولا تُمنح وفق ملفات وتوصيات، بل تسكن القلوب الصادقة بالفطرة، وتثمر في النفوس المطمئنة.
السيد هشام عنتر في مقاله هذا، لا يخاطب فئة بعينها، بل يخاطب كل إنسان يشعر بثقل القيد الذي صنعه البشر للدين، ثم سلّطوه على غيرهم، فجعلوا الإيمان مشروطًا، والقبول مقيّدًا، والتزكية امتيازًا. وهنا يكمن جمال المقال؛ إذ يكشف بأسلوبه النقي عن عمق التناقض بين من يدّعون القرب من الله وهم أبعد الناس عن جوهره، وبين من يحملون نقاءً داخليًا وقلوبًا بيضاء، وإن لم يصرّحوا بإيمانهم.
المقال يحرّرك من عقدة التقييم الديني الذي يستند إلى المظاهر. يجعلك تعيد التفكير: كم من أرواح صافية نمر بها كل يوم، ولا نراها، لأننا مشغولون بأوراق الاعتماد الشكلية؟ وكم من قلب مؤمن نقي، لم تمنحه المؤسسات الدينية “الملف”، لكنه في ميزان الله أسمى من آلاف الذين يحملون الألقاب؟
الكاتب في هذا النص يبرهن أنه لا يكتب بعينيه فقط، بل بقلبه وعقله وروحه. تتناغم ألفاظه بانسياب، وتصوغ فكراً إحيائيًا لا يُخضِع الدين لمقاييس البشر، بل يردّه إلى بساطته الأولى: أن تكون إنسانًا، أن تُحسن، أن تحب.
تحية لهذا القلم المتأمل، ولقلبه الذي يُحسن الإصغاء لما غفل عنه الكثيرون. هو لا يكتب ليُعجب به الناس، بل ليذكّرهم بما يجب أن يبقى حيًا فيهم.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
