رئيسنا قائد أعلى للقوات المسلحة

بقلم علي خيرالله شريف

ما أصبرك، وما أطهرك، وما أنبلك. يا بن جبل عامل.
لـمَّا أدارت الدولةُ ظهرَها لأَلَمِك، وصَمَّت أُذُنَها عن أنينِك، ودَفَنَت رأسها في الرمال واستقالت من واجبِها نحوَك، لِصَدِّ العدوان عن أرضك وعرضك ووطنك، أخبرتها فتجاهلت، وذكَّرتها فتناست، وعتبت عليها فَتَبالدَت وتَذَرَّعت، وصَرَختَ بِوَجهِهَا فنَافَقت وتكاسَلَت. عندها بَرزتَ إِلى الميدانِ وامتَشَقْتَ الـمُق_اومة دِرعاً واقياً، وسيفاً قاطعاً، وسلاحاً رادعاً، حتى دفعت الضيم عن نفسك وعن بلدك. ثمَّ أنشأتَ أولادكَ على حُبِّ الوطن رغم تخليه عنك وعنهم، وعَلَّمتَهُم الدفاع المستديم والاستعداد المستمر، ورَبَّيتَهُم على آية “وأعِدُّوا”، فتسلسلت منك أجيالٌ وأجيال تزلزل الجبال. والتقى معك وفيك خيرة الرجال والنساء من كل لبنان، حتى نِلتُمُ العُلى. ثم يأتي رئيس جمهوريتك ليقول عن الدفاع عن الوطن تقديم ذرائع، فبرر بكلامه عدوان العدو وأدان الضحية.
رغم ذلك لم تشغلكَ سوح الوغى عن ساحات العلم والإبداع والبناء؛ فتبوَّأتَ المراتب الأولى في المدارس والجامعات وأنتجت العباقرة والقادة والحكماء، من السادةِ والمخترعين والعلماء.
سعيتَ إلى الرزق في أرض الله الواسعة لما ضَيَّقت دولتُك عليك الخناق، وعلى إخوانك في الوطن، بالنهب والسمسرات والمحسوبيات والفساد. فما كان منك إلا أن انتشرتَ في بلاد الله الواسعة وخرقت عباب البحار والبراري والفضاء لتصنع من الصخر والتراب مالاً حلالاً واقتصاداً دفاقاً لك ولوطنك ولعائلتك ولكل مُستَحِقٍّ لكرمكَ وإحسانِك. ونقلتَ معك مَكارِمَ أخلاقِكَ، فنشرتَها طيباً وعطراً بين العالمين.
ما أروع وفاءكَ لِوطنِكَ رغم ظُلمِهِ لَك، عَمَّرتَ فيه ما استطعتَ إلى ذلك سبيلا، وزَينتهُ، وأنشأت فيه سِياحةً وعلماً وعملاً بكل ما آتاك ربُّك من إمكانياتٍ. أبدعتَ أدباً وشعراً وفناً، حتى قذائف العدو التي أسقطها فوق أرضك ورزقك ومنزلك، حوَّلتَها إلى أحواضِ ورد، وأدوات زينة، وهذا دليل على أنك تصنع الفرحة من عمق المآسي. ولو كان الشتامون يعرفون معنى الحياة لأدركوا أنك من عشاق الحياة ولستَ من أصحابِ ثقافة الموت.
رغم كل ذلك، يخرجُ علينا رئيس جمهوريتكم ليُنكِرَ تضحياتِكُم، ويتوعَّدكم بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن لم تتنكَّروا لأولادكم وتسلموا سلاحكم، وتمدوا أعناقكم للذبح. زاعماً أنه يضمن سلامتكم، وهو لم يستطع لغاية اليوم ضمان أمن قريةٍ واحدةٍ من الجنوب والبقاع ومن كل لبنان.
رئيسكم قادمٌ من المريخ إليكم، يحمل معه عنواناً يُبهِرُ العقول، القائد الأعلى للقوات المسلحة(التي ممنوع عنها السلاح)، وفخامة العنوان تكفي لكي تحميكم وترهب عدوَّكُم. لا ينقصه إلا حصيرة نياشين كالتي تفترش صدور ملوك الذل العربي. يحمل إليكم فتات التسَوُّل العربي، وضمانة أمريكا التي ضمنت مجزرة صبرا وشاتيلا، وضمنت إبادة ٥٠٠ ألف طفل عراقي وضمنت ارتكاب أبشع المجازر في اليمن وضمن تدمير سوريا وضمنت مجزرة سربرنيتسا وضمن تكويم جثث الروهينغا في البورما… فما أكثر ضمانات أمريكا لإبادتنا، تلك هي الضمانات التي يؤمن بها رئيس جمهوريتنا. ونراه يثق بها كما يثق بنفسه كقائد أعلى للقوات المسلحة. تلك الضمانات التي أنزلت على رؤوسنا لغاية اليوم عشرات الآلاف من الاختراقات لوقف النار وقتلت مئات الشباب من كل الأعمار وجعلت من الخبز مصيدةً لأهل غزة يسقطون بالمئات يومياً وهم يتوسلون رغيف الخبز.

عشتم وعاش لبنان وعاشت ضمانات رئيس الجمهورية الخاوية من أي ضمانة، وعاشت دبلوماسية البريستيج و”البكبكة” والتسوُّل والانحناء عند كل رفيع ووضيع من أرذل خلق الله.
يا بن جبل عامل لا تسامح مسؤولي بلدك فأكثرهم ليسوا رجال دولة بل رجال ذل وتبعية وتسوُّل وانحناء أمام كل منفوخ وممحون. لا تغفر لهم لأنهم يجهلون أين يدفنون رؤوسهم ويصرون أن لا يتعلموا بغطرستهم وركاكتهم وتشبثهم بالجهل حتى الثمالة.

الاثنين ٤ آب ٢٠٢٥

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …