بقلم د/ عبدالرحمن المؤلف
عند الحديث عن يزيد بن معاوية، فإننا لا نتناول شخصيةً تاريخيةً عابرة، بل محطةً مفصليةً من محطات الانقلاب السياسي والعقائدي الذي عرفه التاريخ الإسلامي بعد وفاة رسول الله ﷺ. فقد مثّل حكم يزيد نقلة نوعية من الخلافة الراشدة إلى الحكم الوراثي القائم على القوة والتغلب، وما رافق ذلك من خروقات دينية وأخلاقية جسيمة، بلغت حدّ الاستباحة الصريحة للدماء والمقدسات، والانقلاب على تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل.
ويصعب الحديث عن يزيد دون التطرق إلى ثورتي الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، اللتين عبّرتا عن الموقف الحق في وجه الانحراف السياسي والديني الذي مثّله البيت الأموي، بدءًا من معاوية وانتهاءً بيزيد الذي نُسب إليه قول صريح في الكفر:
> “لعبت هاشم بالملك فلا… دينٌ جاء ولا وحيٌ نزل”
(الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج5؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج8، ص140)
وهو بيت من الشعر ورد في سياق تعقيبه على مقتل الإمام الحسين، يكشف عن اعتقاد يزيد بعدم صدقية الوحي، ويُعدّ في ميزان العقيدة الإسلامية تصريحًا بالكفر الصريح، ينقض أصل الإيمان.
يزيد بين الفسق والكفر: قراءة علمية
عمد بعض العلماء المتأثرين بالسياق السياسي للدولة الأموية والعباسية لاحقًا إلى تبرئة يزيد من الكفر، واعتبار أفعاله من باب “الفسق”، إلا أن التحقيق في أقواله وسلوكه يُسقط هذا التأويل:
قتل ذرية النبي ﷺ في كربلاء، بمن فيهم الرضيع عبد الله، وسبي النساء، يمثل تجاوزًا لكل حدود الإنسانية والدين.
استباحته المدينة المنورة في وقعة الحرة (63هـ)، وما فيها من الصحابة وأبناء الصحابة، واغتصاب النساء وقتل الآلاف من المسلمين، بحسب ابن كثير (البداية والنهاية، ج8، ص243).
قصفه الكعبة بالمنجنيق خلال حصار مكة، بحسب ابن الأثير (الكامل في التاريخ، ج3، ص312).
كل هذه الأفعال، مع إصراره عليها ومجاهرته بشرب الخمر وارتكاب المحرمات، تجعل القول بعدم كفره مخالفًا لأصول العقيدة، خاصة وأن شروط التكفير قد توفرت: التصريح، والفعل، والاستحلال، وانتفاء الجهل أو الإكراه.
وقد نقل القاضي أبو يعلى الحنبلي – وهو من أئمة أهل السنة – قوله:
> “من قال بقول يزيد فقد كفر، ومن أحبه فقد كفر” (طبري، تاريخ الأمم، ج5).
وهو ذات ما أكده العلامة المقرم في مقتل الحسين (ص343)، وابن الجوزي في المنتظم.
الموقف السياسي من تكفير يزيد
يُلاحظ أن أغلب من امتنع عن تكفير يزيد، من المتأخرين، لم ينطلقوا من موازين عقدية، بل من دوافع سياسية، حاولت الدفاع عن “شرعية” مبدأ التوريث والتغلب الذي رسّخه معاوية ويزيد، وهو ما لا يمكن القبول به دينيًا؛ فالإسلام لا يمنح الشرعية لحكم مبني على السيف والقتل وسفك الدماء واستباحة الحرمات.
بل إن بعض علماء الأزهر الشريف – كالشيخ محمود شلتوت – صرّحوا في دراساتهم بأن “الدفاع عن يزيد هو دفاع عن الظلم ومسوغ للانحراف باسم الدين”، وقد طالبوا بتجديد النظر في التراث الذي سكت عن جرائمه.
الحسن صانع الهدنة والحسين صانع الوعي
أمام طغيان يزيد، اتخذ الإمام الحسين عليه السلام قرار الثورة، بعدما رفض مبايعة يزيد باعتباره طاغية منحرفًا عن الإسلام، وهو ما عبّر عنه بوضوح في قوله:
> “إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”
(الطبري، تاريخ الأمم، ج5، ص343)
وهكذا أصبح الحسين صوت الضمير الإنساني، ورمزًا للمقاومة العقائدية ضد الظلم والانحراف. وفي مقابل ذلك، كانت هُدنة الإمام الحسن عليه السلام خطوة استراتيجية كشفت حقيقة معاوية سياسيًا، وأثبتت أن الأئمة كانوا أدرى بظروفهم، وقد تحركوا بوعي لا يخطئ الهدف.
الخاتمة: الحقيقة ليست خلافًا سائغًا
ليس الخلاف حول يزيد من باب المسائل الاجتهادية، لأنه لا يُعقل أن يكون إنكار الدين، وقتل آل البيت، واستباحة الحرمين، وشرب الخمر والزنا العلني، مما يقع فيه “الخلاف المعتبر”. بل هو خلاف ناتج عن تسييس الدين، وتشويه الوعي التاريخي لدى الأمة.
وعليه، فإن تكفير يزيد هو الموقف العقائدي المنسجم مع النصوص، وأي موقف بخلافه لا يُعتد به شرعًا، ولا قيمة له في ميزان الدين، لأنه يقوم على “التعصب لا على التحقيق”.
مصادر موثوقة يمكن الرجوع إليها:
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج5
ابن كثير، البداية والنهاية، ج8
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3
القاضي أبو يعلى، طبقات الحنابلة
السيد عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين
الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام الحسين
الشيخ محمود شلتوت، منهج الإسلام في الحكم
📌 لن يُفهم التاريخ ما لم يُقارب بالحق والعدل، ولن تُحترم العقيدة ما لم تُطبّق على الجميع بلا تسييس أو محاباة.
> يزيد بن معاوية ليس موضع خلاف… بل دليل على انقسام الأمة بين من باع دينه، ومن اشترى الشهادة.
د/عبدالرحمن المؤلف
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
