قصة واقعية بقلم:
سهيل عثمان سهيل.
في مدينة شرقية اشتهرت بنبتة الزيتون، هناك أمٌ درست الطب وتخصصت طبيبة أطفال.. الأرض التي تنتمي إليها مقدسة منذ آلاف السنين، تزوجت وبدأت حياتها الأسرية والاجتماعية تزدهر ، وعملت في مستشفيات خاصة وعامة..
ما يهمُنا في بداية القصة هو معرفة لماذا اتخذت قراراً يخالف ما يفعله المقبلين على الزواج أو ما يُعرف بقانون تنظيم الأسرة في القرن ال٢١ والعشرين ؟
تخيل أن هذه الطبيبة كان أول قرارها هو عدم استعمال أي نوع من أنواع منع الحمل ، سواءً كبسولات تمنع الحمل أو إبر قاتلة لبويضات الإنجاب في رحم المرأة…
قررت هذا القرار قبل التفكير بالموافقة على طلبها للزواج من (الطبيب) وقد أجرت الفحص قبل الزواج وأخبرت زوجها المقبل على ذلك ، ربما لأنها مثقفة، بل لأنها طبيبة فأجرت الفحص قبل الزواج لمعرفة ما إذا كانا يحملان جيناً معيباً سيرثه هيموغلوبين ذريتهما بنسبة مئوية محتملة فإذا كانا كذلك فستمتنع عن الارتباط به ، لكن كانت النتيجة إيجابية حيث أن الفحص قبل الزواج هو ما يفرضه علينا الواقع الصحي والإنساني لضمان ولادة أطفال أصحاء.. فقد كانت تخشى أن يكون أطفالها مصابين بالثلاسيميا_انيميا البحر الأبيض المتوسط أو أي امراض وراثية والفحص الطبي قبل الزواج هو الوسيلة الوحيدة التي انتهجتها الدول المتقدمة لحماية أجيالهم من الأمراض الوراثية وكونها مُطلعة ومتخصصة طبيبة أطفال فقد كانت تعمل على توعية مجتمعها وذلك لمكافحة انتشار الثلاسيميا وامراض الدم الوراثية، وتحثهم على عدم استعمال ما يصنعه الغرب لمنع الحمل لذلك أنجبت الطفل تلو الآخر دون اتباع خزعبلات الأوروبيين نظراً لإيمانها وبيئتها..
هذه الطبيبة كانت ولا زالت في بلدها المشهور بنبتة الزيتون…
مرت السنين والأيام وأصبح لديها عشرة أطفال (ذكور وإناث) أربعة عشرة عاماً من الزواج والجهاد
إذ عُرفت بأنها مُنقذة الأطفال .. وللإجابة على ذلك السؤال الذي ذكرته سابقاً فهي تحمل جنسية أقدم دولة في تاريخ البشرية فالارض التي تنتمي إليها أرضٌ مقدسة لأن فيها القدس والأقصى ، أرض المسرى والمعراج ، أولى قبلة للمسلمين ..
هناك من عَرِفَ اسمها دون أن يلحظه في هذه السطور ، وهناك من لم يعرفها بعد ، فإذا كنت الأول أعتبرك تاجاً على رأسي وإذا كنت الثاني فأنت الذي يجب أن يتعرف على قصتها ..
وأما من عَرِفها وسمع قصتها خلال هذه الخمسة الأيام الماضية فهو يعرف أكثر أو أقل مني لكنه لم يتحدث عن خنساء العصر، تلك المناضلة والأم المنقذة للأطفال بما وهبها الرحمن من علم وخبرة وليس بمهنتها فحسب!!
– هل تعلمون أن هذه الطبيبة هي ابنة القرآن ؟
– إنها الطبيبة آلاء النجار…
القليل منا مَن يرغب بالاطلاع على تفاصيل حياتها حتى انا.. ومعظمكم لا يكلف نفسه قراءة هذا النص ، لكن لندرة ما ينشر عنها سوف تُنسى قصتها إن لم نساهم بنشر ما يجب أن يعرفه الغافلون.. وبينما كنت أتصفح منصة إكس للبحث عن معلومات جديدة عنها ، عثرت على تغريدة لصديقي الصحافي محمد هنية يقول فيها : ما لا تعرفونه
(آلاء النجار.. طبيبة الأطفال التي تمتلك الجنسية المصرية، ألح عليها أقاربها للسفر إلى مصر بداية الحرب، لكنها رفضت وزوجه الطبيب “المصاب حاليا بحالة خطيرة”، وفضلوا البقاء في غزة لخدمة الناس.
ُكتب لآلاء البقاء في غزة، لتصبر وتداوي وتُختبر وتُبتلى وتصبر “والله يحب الصابرين”.)
صدق الله العظيم. انتهت التغريدة.^
أي أنها تمتلك جنسية ثانية وفضلت الفلسطينية فأبت الخروج من غزة ..
ولك أن تتخيل معي أنها قبل أكثر من ٥٩٥ يوم كانت تجوب شوارع مدن قطاع غزة هي وأطفالها العشرة ، حيث السلام والأمان.. ومنذ حوالي خمسمائة يوم وهي متطوعة تجاهد في سبيل الله في مستشفات غزة ومخيمات النازحين وآخر مستشفى أطالت الجهاد فيه هو مستشفى الناصر الطبي في خان يونس ، تنقذ الشيوخ والشباب ، تستقبل أشلاء الأطفال الفلسطينيين الذين أبادهم الكيان الإسرائيلي مع عائلاتهم.. كل يوم جريمة أمام عدسة القانون الدولي منذ ما بعد السابع من أكتوبر 2023.
بعد أكثر من خمسمائة وخمسة وتسعون يوماً وبينما كانت تضمد جراح الأطفال كما اعتادت كل يوم وتواسي الأمهات في مصابهن وأحزانهن.. حيث كان قد قصف الكيان الإسرائيلي اجزاء من منزلها فأصبحت تترك أطفالها العشرة في بدروم المنزل وتذهب للمستشفى لتنقذ الأطفال وتساعد الأقسام الأخرى في إنقاذ المصابين بسبب اغتيال واعتقال عدد كبير من الأطباء والممرضين والممرضات الذين يذهبون ويقيمون في ما تبقى من مستشفات قطاع غزة
مثل مستشفى ناصر الطبي بخانيونس وفيه عدد قليل من فريق دولي تطوعوا عند مجيئهم في فترة هدنة تبادل الأسرى لشهر مارس الماضي .. منهم من عاد لوطنه مرغما بعد انتهاء فترة التطوع بشروط الأمم المتحدة _ المتخذة من الإنسانية شعاراً وبشروط منظمة الصحة العالمية المنخفضة جهودها في غزة .. لذلك أصبحت تكرس جهودها لإنقاذ المصابين ، تظل أكثر من ثمانية عشرة ساعة في الدوام وتعود لمنزلها المقصوف بعد منتصف الليل للاطمئنان على اطفالها وهناك من يرعاهم نيابةً عنها كأمٍّ مجاهدة في سبيل الله.
في اليوم التالي حيث شرقت شمس الصيف وبدأ صباح أهلنا في غزة يشرق بإحصاء عدد المجازر لليلة الماضية واعداد الشهداء والجرحى يتصاعد ، وهي كانت قد اعتادت أن تقف أمام مدخل بوابة المستشفى المقصوف ايضاً ، خرجت لتقف منتظرة سيارة الإسعاف التابعة للصليب الأحمر ، وقفت الأم كطبيبة لتستقبل من تستقبلهم من ضحايا القصف العشوائي الذي يرتكبه جيش الاحتلال الإسرائيلي يومياً ، وصلت سيارة الإسعاف ، ساعدت الزملاء والزميلات بحمل الأكياس المليئة بالأجساد المتفحمة ، وهناك ضحايا لا زالت اجسادهم شبه سليمة لكن أحدهم فارق الحياة والآخر يلفظ أنفاسه الأخيرة..
لم تتوقع المسكينة أن حمولة سيارة الإسعاف هذه سيكون من بينهم واحد اثنان من أفلاذ كبدها العشرة..
ستحاول إنقاذهما إذا صح الأمر أو ستنهار فيُغمى عليها وتسقط أرضاً وتغادر الحياة من هول الصدمة!!
لكن من سينقذ طفلها الناجي ؟ هكذا ستفكر إذا اقتنعت أن الطفل الثاني استشهد ولم يعد باستطاعتها إنقاذه.. غير أنها لم تتفاجئ بالخبر الصادم ..
تخيل كيف سيكون المشهد ، أن يأتوا إلى مقر دوامها كطبيبة مجاهدة في سبيل الله ، تنقذ العشرات من الاطفال في كل ساعة ويتضاعف عندها الأمل في مستقبل أبناءها ، ونجاتهم رغم أهوال الإبادة الجماعية في قطاع غزة وتحديداً بلدة خان يونس التي أصبحت ملجئأ النازحين!!
لكن القصف مستمر ، وتتجاوز الشظايا ذاهبة وعائدة بين الحين والآخر ولم يوقفها العدو الإسرائيلي عن مزاولة مهنتها .. ثُمَّ تسمع أحدهم يقول:
– هؤلاء أطفالكِ العشرة يا طبيبتنا المناضلة!!
لا تتخيل ، بل عِش المشهد ، فقبل خمسة أيام من تاريخ اليوم من سردي لهذه القصة؛ استقبلت الطبيبة آلاء النجار أطفالها العشرة تسعة منهم مثخنين بجراحهم التي تقطر زيتوناً، متفحمة أجسادهم البريئة، إذ لم تصدق ذلك الشخص الذي أخبرها بأن على متن سيارة الإسعاف اطفالها العشرة:
– بديش اسمع. ربما هكذا قالتها له وراحت تضمد جراح الأطفال الفلسطينيين ، غيرت اتجاهها عن حمولة تلك السيارة ، ربما كردة فعل مما سمعته ، اي أنها لا تريد رؤيتهم في مكان عملها فالخبر غير صحيح.. وبينما هي كذلك ، جاؤوا لها بطفلٍ ناجٍ ، وآثار القصف تبدو وكأنها بلغية ، وعرفت أنه أحد أطفالها العشرة.. تركته بين أيدي زملاء المهنة وراحت إلى جهةٍ كانت قد أنزلت فيها من ضحايا القصف تسعة أطفال وهم عدد أطفالها الذين استشهدوا دفعة واحدة وواحد من بين العشرة نجى لحكمة يعلمها الله.
فلو كانت الدكتورة آلاء النجار أم الأطفال التسعة الذين أحرقتهم الصواريخ الإسرائيلية هي تلك اليهودية التي تدعى أوريت ستروك مثلاً؛ لشاهدتم بيانات الإدانة من كل دول العالم، ومن رئيس السلطة الفلسطينية الخائن، ومن رؤساء الدول العربية وملوكها… وكنتم قد شاهدتم تدفق المساعدات العسكرية المالية إلى دولة إسرائيل… وكنتم قد تابعتم الكلمات الغاضبة في جلسة طارئة لمجلس الأمن، تشجب وتندد فيها عن الإرهاب العربي.. ولكنهم أطفال عرب فلسطينيون، دمهم رخيص، وحرقهم بالصواريخ الإسرائيلية ليس إرهاباً، وإنما دفاعٌ عن النفس، وفق منطق الغزاة.
ولأنها سيدة “منقبة” فُجعت بأولادها التسعة شهداء، بينما زوجها في حالة خطيرة، وكذلك ابنها الناجي الوحيد الذي يحمل إسم آدم.
فهذه السيدة ظلت تمارس مهنتها كطبيبة أطفال، طوال أشهر الحرب تداوي أطفال غزة، تنقذهم من الموت، حتى جاء قدر أولادها في مجزرة من مجازر الإبادة، فلم تجد فرصة حتى لعلاجهم.. أو لوداعهم، فمعظمهم حُرقت أجسادهم.
كنت قد قلت لكم ؛
– هل تعلمون أن هذه الطبيبة هي ابنة القرآن؟
نعم إنها ابنة القرآن الكريم تحفظه وبعض أولادها وكلهم يسيرون على درب حفظ القرآن الكريم، متدينة تعرف الله في محطات النعم الكثيرة، ومحطات الابتلاء الذي لا يتصوره عقل.
لا ترغب بالحديث.. الصدمة تفوق كل حديث، منذ الفاجعة حديثها مع ربها فقط، أن يربط على قلبها، أن يشفي زوجها وابنها الناجي الوحيد)
يقول والدها في مقطع فيديو نُشِر حديثاً مواسياً ابنته التي أحسن تربيتها ولم يستطع المجيء إليها ليربت على كتفيها:
– “اما انتِ يا آلاء فقد جسدتِ المعجزة الغزية التي حار العالمُ كلهُ فيها الأُمُ الغزية التي خلال ١٤ عام من الطب والدراسة والعمل في ظل المجازر وجدت الوقت لإنجاب عشرة أطفال ربتهم التربية الإسلامية الصحيحة فعاشوا عليها وقضوا شهداءً عليها هذه الأم المعجزة الغزية هي المثال لكل شريفات واحرار العالم. لا يلومنكِ أحدٌ على دموعك الحارث ابنُ خليلٍ الباهلي فقد ثمانية من ابناءه فخلد التاريخ مقولته عندما وجد إعرابًا يبكي على شاةٍ فقدها فاعطاه ناقته وقال له هذي بتلك! ودع البكاء لأهله ..
جعل الله دموعكِ انهاراً من سكينة وصبرٍ رباطاً على قلبكِ وقلب زوجكِ
جعل الله دموعكِ انهارٍ من نارٍ تحرق قلوب القتلة الصهاينة مُجرمي الحرب قاتلي الاطفال
جعل الله دموعكِ غضبٍ وإستبدال على كل من خذل غزة وأُمهات غزة واطفال غزة..
جعلها الله سبحانه وتعالى تذكيراً وقارعا لِأُمة المليارين سلامٌ عليكم بما صبرتم ونِعم عقب الدار ولا نامت اعين الجبناء”
انتهى المقطع الذي لم تشاهده انت وهو يرثي ابنته…
نعم يا سادة هذه الأم المناضلة المقهورة والمظلومة مثلها كثُر في قطاع غزة .. وهيَّ الأم التي يجب أن يجسد قصتها علماء النفس والاجتماع والسياسة والإعلام المحايد والأطباء والفلاسفة وكل اولئك الذين يدعون أنهم يساهمون بنشر السلام والأدب والفن والثقافة والعلوم الإنسانية ، أو مُدونو التاريخ الاسلامي في الشرق، أو ما يمسى بمتتبعي تاريخ الأمم المتخذة من حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق وحماية الطفولة شعارات مزيفة!!
فهي الأم المثالية ، التي فقدت تسعة من أطفالها وبجانبها فريق أممي لم يستطيعوا أن يوقفوا هذه الإبادة الجماعية..
إنها أمتنا وليست أم الأطفال فحسب .. أُم كل مسلم وكل عربي وكل حر شريف في هذا العالم..
إنها مثالاً للصبر والنضال والقوة والإرادة ..
ولك أن تتخيل أنها لم تسأل عن من فعل هذا؟
لأنها تعلم أن عدواً لدوداً ، ومحتل لأرضها المقدسة ، قد جعل من مدينة القدس عاصمة لدولته المعترف بها دوليا، والعرب يعرفون أنهم يعبثون بحياة كل طفل وكل أم وكل أب وكل شجرة زيتون وكل مسجد وكنيسة في فلسطين المنكوبة منذ سنة 1948م
وقد كان هدفه تهجير الفلسطينيين واحتلال قطاع غزة منذ عشرات السنين.. هي تعلم كل شيء ولأنها تعلم أن هناك فِرعون النتن وأخوه الترمب وكل من يمثل القانون الدولي الإنساني يقتلون كل طفل يولد كل يوم.. فقد ظنت أن أطفالها العشرة سينجو من ينجو منهم ويستشهد من يستشهد.. غير أنها لم تتخذ قرار استمرارية الانجاب لعدم فقدانهم دفعة واحدة لاسمح الله لكن لقرارها ذاك نظرية صحية للنساء فقط في العالم العربي والإسلامي والدولي..

ومن يشاهد هذه الصورة فلا يمكن له أن يعرف القصة التي تحكي وتعبر عن نفسها في ملامح تعجز الكلمات أن تصف مصابها ومصابنا والمشهد يحاكي لسان الأم بنفسها.
فمن هو الذي يجب أن يحكي قصتها للمجتمع والأسرة والأجيال القادمة ؟
هو أنت.. وأنا من الآن فصاعدا يجب أن نتحدث عنها وعن ضحايا الإبادة الجماعية بحق أهلنا في غزة ونساهم بحفظ الحقيقة كما هي لمجابهة الكفار والمشركين الذين يتربصون بنا متجاوزين جميع الأبعاد الإنسانية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية ..
نسأل الله لها ولزوجها واهلها وذويهما وشعبنا الفلسطيني الصبر والسلوان.. والنصر والتمكين والثبات للمناضلين النازحين، المقاومين للمحتل أصحاب الحق والأرض.
واللعنة على حثالة العالم.
قصة واقعية بقلم:
سهيل عثمان سهيل.
29/5/2025م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
