عبد الحميد بن حميد الجامعي
عندما أطلقت المقاومة الجندي ألكسندر (الأمريكي الصهيوني) من الأسر مؤخرا، كان ذلك على سبيل التكريم للوسطاء العرب والتقدير لهم، وأيضا إبداءَ حسن نيةٍ لتعزيز المحادثات المباشرة بين المقاومة والمفاوضين الأمريكيين، وكان الوعد يومها أنه سيتم إدخال حق الناس الطبيعي من الغذاء والماء والدواء إلى غزة بمجرد التسليم.
قامت المقاومة بالتجاوب مع الوسطاء فسلمت الأسير للصليب الأحمر. إلا أنه قد قيل -حتى كاد يذهب مثلا- أن العقل العربي ذاكرته -ذاكرة العربان- قصيرة جدا، ذاكرة رجل خرِف، لا يكاد يذكر في يومه ما كان في أمسه، وهذا تماما ما وقع.
لقد سقط عن الذاكرة العربية -لو أحسنا بها الظن وحشَّمناها عن الخيانة- في هذا المقام طبيعةُ الرئيس الأمريكي، بل طبيعةُ النظام الأمريكي الصهيوني الإرهابي على مر التاريخ، فلم تذكر وهي تأخذ عهوده ومواثيقه وكلام مبعوثيه “الكيووت” أن الرجل بلطجي من الطبقة الخام، والبلطجي شخص غير مسؤول ولا منضبط، إن وعد أخلف، وإن عاهد نقض، وإن خاصم فجر، لا يحترم جهة، ولا يراعي دبلوماسية، ولا يحفظ يمينا، فهو قد نقض مواثيق ومعاهدات أممية، فخرج من منظمات دولية؛ كالصحة العالمية، والمناخ وغيرها، ونقض اتفاقات بينية مباشرة كاتفاقية إيران النووية، ولا يخجل أن يبدي ما يريده ولو كان فجَّا وغير قانوني، ولا أن يُحِرجَ من يتوددُ إليه، ويستحقرَ من يتزلفَ إليه، ويمثلَ ويخادعَ من خطب وده، فهو لم يكن يوما وسيطا نزيها في قضية غزة وفلسطين عموما، لا هو ولا دولته، بل كان عدوا خصما، مثله مثل الكيان المحتل، بل أنكأ وأشد!
إلا أن ذلك لم يكن حاضرا والوسطاء يأخذون تعهد الأمريكان بوقف الحرب وإغاثة الجوعى والعطشى، وبداية مفاوضات ذات صلة، فظنوا أنه كريم طي، لا يخون عهدا، ولا ينقض وعدا، فكانت مكيدةُ هذه العصابة المجرمة وبلطجيها الأكبر.
إن أيامنا هذه من الأيام التي يَحار فيها الحليم بحق، فلا أدري معنى قيام صفقات ترليونية بين العرب وأمريكا في ظل حرب إبادة ضد جنسهم العربي، وحملةٍ شعواءَ إعلاميةٍ ضد ثقافتهم ودولهم وحتى ملوكهم وحكامهم البؤساء، وتصويرهم أبقارا تُحلَب، ودجاجا يبيض ذهبا، لا يستطيعون حماية “مؤخراتهم” – كما عبر ترامب نفسه- لولا أمريكا، فضلا أن يحموا دولهم وعروشهم…. ليست هناك في الحق معادلةٌ منطقية واحدة يمكن أن تساوي بين طرفيها (المدخلات والنتائج)، فقد عجز الرياضيات والمنطق أن يصف هذه المعادلة الشوهاء، أو أن يوفرها، إذ تقديم تريلونات الدولارات هو دعمٌ لحرب الإبادة حقيقي، مباشرة؛ عبر مجرد قيام هذه القمة، وإخراج أمريكا من منطقة الضغط إلى منطقة الراحة، وإظهار عدم وجود استياء، بل سعادة واستئناس….. وغير مباشرة بتعويضها خسائرَها المليارية في الإبادة عسكريا وسياسيا بدعمها المفتوح للكيان الصهيوني المجرم، وبالتالي انتقالِ ثِقَلِ الإبادة ودماءها إلى أيدي قادة الخليج الذين أبرموا تلكم الصفقات، وأقاموا تلكم القمة، وقدموا تلكم الهديا والأهازيج ومظاهر الفرح، وهو لا شك ما سيسجله عليهم التاريخ، وتُحَمِّلهم إياها الضمائر الحية، وتتبعهم بها اللعنات السرمدية، وهو ما سيكون في موازينهم يوم العرض الأكبر، وسيسألون عنها ومن اصطف معهم، وزين لهم، من أئمة ومفتين ومثقفين وغيرهم يوم القيامة.
إننا نصبح اليوم على قيام الكيان -بعد تجدد عزيمته بأموال الدول الخليجية وصفقاتها- باستئناف مرحلة جديدة وظالمة من الحرب، أطلق عليها “عربات جدعون”، بدأها عمليا قبل أيام، بقتل المئات من الأبرياء في اليوم الواحد، ربما لاستكناه ردة الفعل الدولية والعربية إزاء الضحايا الأبرياء، باستهدافهم في بيوتهم، ومستشفياتهم، وخيمهم، استهدافا متعمدا، هل يتحرك من أحد؟!!! وفي ذات الوقت تنكيلا بالأشراف الغزيين لحملهم على ترك بيوتهم، والهرب جهة ما يريد الكيان الفاشي، وعندما لاحظ الكيان المجرم موت الضمير العربي والعالمي، بدأ صباح اليوم عمليته العسكرية رسميا على الأرض.
إن صمت الأموات الذي يخيم على الأنظمة السياسية العربية، فضلا عن الدول الخليجية المخزي، وهم يرون تنفيذ الكيان المجرم لجربمته بطرد أهل غزة منها، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع، رغم اللائات والبيانات التي أصدرت تعقيبا على بيان ترامب في تحويل غزة منتجعا “لأبيه”، ورغم ذلتهم الكبرى وترامب يكرر في وجههم وفي قعر دارهم وتحت ضيافتهم ما رفضته بياناتهم، إن هذا الصمت المريب والخزي العظيم والتهاويَ الكبير للفخامة والجلالة للنظام السياسي العربي في وجه هذه الجريمة، وصورة الحفاوة الكبيرة التي استقبل فيها ترامب ويده تقطر بالدم العربي البريء قد ينقل المسؤولية الكاملة لمؤسسات الدولة الحساسة، كالمؤسسة العسكرية والأمنية والاستخبارية في هذه الدول، ويجعلها في مواجهة تحدي فشل أنظمتها السياسية – جبنا أو خيانة- وبين تأدية واجبها الإنساني والعقائدي، وقسمها التي أقسمته اتجاه ما يدور من إجرام لأهلهم في غزة.
لقد كررنا وما زلنا أن الحل يكمن في إعادة تموضع الدول الحرة الشريفة، وأدائها دورها بما يمليه عليه الواجب، وفكِ ارتباطها بالدول التي خانت الأمة وخانت مقدساتها وقضاياها، وانفتحت على الكيان المجرم، واصطفت معه حد ليس فقط التطبيع معه، بل التماهي والاتحاد معه اتحادا كليا وتبني فاشيته وإرهابه، فالدول العربية والإسلامية الحية والحرة أولى بقرارها، وأولى بقيادة هذه المرحلة، فالقانون الدولي والإنساني وكل المواثيق معها، وهي -القانون والمواثيق- تستغيث بمن يمكنه نصرتها، بدل أن تتبع الأنظمة العدوة للإنسان والإنسانية والعروبة، المخالفة للأنظمة الدولية ومواثيقها، فتلحقهم لعناتها، فالمرحلة مرحلة تمايز لا استتار، ومرحلة نبذ مباشر لا تخفٍّ وانكسار بزعم مظلات قومية أو جغرافية أثبتت عبثيتها وعدم جدواها إلا بصور انتقائية تخدم العدو على الدوام.
إن تحميل الولايات المتحدة رسميا وشعبيا وتهديد مصالحها عالميا بسبب رعايتها لهذه الإبادة التي تبث مباشرة وعلى الهواء، ولباسها لَبوس الوساطة النزيه والعداء المتحكم، قد يكون هو المرحلة القادمة على مستوى عالمي كبير، وهو لا شك سيغير المعادلة، ويوقف هذه الإبادة المجرمة.
إن حالة ما يقع اليوم قد جلّاها الله سبحانه في كتابه لتكون مثالا خالدا إلى يوم الدين، ونحن نعيش تفاصيلها بشكل دقيق، فترامب اليوم هو فرعون الأمس في غطرسته وجبروته وإفساده، وفي كل تفاصيله، فكما اتهم فرعون موسى ومجموعته التي جاءت لوقف الإبادة والتطهير العرقي ضد قومهم وتحريرهم بالفساد، فقال واصفا تلكم المقاومة وقائدها: (وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ) غافر/ ٢٦…. والمفسد في الحق هو عينه، فكذلك ترامب اليوم ومن في زمرته من عبيده العرب والعجم ينعت المقاومة بالإرهاب والإفساد… وإنما الإرهاب والإفساد هو ودولته ومن يمدُّ له في الغي مدا…..
ومن ظهراني قوم موسى -الذن يُقَتِّل فرعونُ أبناءَهم ويستحيي نساءَهم- يخرج أصحابُ المال والدولار ممثلين بقارون وزمرته، ليخون قومه، ويمد لفرعون (ترامب) ظلمه، ويعقدَ معه الصفقات الترليونية، ويحفظَ خاصرته الرخوة أمنيا وإعلاميا بمحاربة المقاومين، وتشويههم، ووصفهم بعدم الشرعية، والإرهاب، مهملا مأساةَ بني جلدته على يد فرعون وتقتيلهم، مدعيا الفهلوةَ، وأنه إنسان ملهم، أوتي ذلك بعلمه وذكائه وحظه الوافر، مشاركا إياه في ذلك الجرم وتلكم الإبادة مباشرة وغير مباشرة، وإننا لناظرون إلى نهاية هذا الفصل من الرواية، بغرق فرعون اليوم (ترامب) كما غرق فرعون موسى، وبهلاك قارون، وتنجية المستضعفين في غزة، الذين أصبحوا يفعل بهم اليوم في “عربات جدعون”، ما فعل فرعونُ بموسى وقومه، بدفعهم ناحية البحر وحصرهم، تمهيدا لطردهم وقتلهم، وإنا لموقنون بنصر الله، فهو آت آت، كما أيقن موسى من قبل، ونقول لمن يقول: ( إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ)، ما قاله موسى لقومه ساعتها: (كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ )!
فهل سيكون لحكامنا ودولنا في ذلك نصيب قريب وصحوة، واسترجاع لكرامة، وهل من جذوة توقد، وأنفس حرى تغار؟!
عبد الحميد بن حميد الجامعي
السبت
١٩ ذو القعدة ١٤٤٦ هـ
١٧ مايو ٢٠٢٥ م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
