قرصان السماء و الأرض …


أمين السكافي

قد يستغرب البعض أن يزخر هذا البلد الصغير بقماشة من الأشخاص الذين من النادر أن يمروا في كتب التاريخ، ولتُنسَج حولهم قصص وروايات حتى يتحولوا إلى أبطال، قد يبدو من الحديث عنهم أنهم خياليون. ولكن، كما مرّ من أمام أعوامنا من لُقِّب بـ كارلوس المشرق، ونعني به الحاج رضوان الذي أقلق أجهزة مخابرات عديدة عن متى وأين وكيف ستكون ضربته التالية، فإن حديثنا اليوم عن صديق مقرب للعماد، قد يعرفه البعض ويجهله البعض الآخر.

للجاهلين أقول: إنني، ولغرابة مسيرته الحياتية، لم آتِ بقصة من نسج خيالي، بل واقع عاشه شاب قادم من بلدة طاريا البقاعية، استطاع خلق أحداث والتأثير في أحداث بطريقة غير طبيعية، ووجد في عدة أماكن في العالم في فترات زمنية متقاربة. أبو شمران كما يُدعى، رافق الكبار وكان من الكبار، وإن تقاعد باكرًا بسبب اختلاف في وجهات النظر بينه وبين الحبيب على قلوبنا، دولة الرئيس نبيه بري. فدعونا نبدأ بحكاية أسطورة حقيقية من أساطير وطننا الصغير بمساحته، الكبير برجاله.

ولد عقل حمية، ابن عشيرة آل حمية المعروفة والمرهوبة الجانب، عام 1954، وتعود أصوله إلى بلدة طاريا في البقاع. له عدة أسماء اشتهر بها مثل حمزة عم الرسول، جيفارا المشرق، وخاطف الطائرات الأول على مستوى العالم، إذ لم يستطع أحد إلى الآن كسر رقمه القياسي وهو اختطاف ست طائرات فقط، لكي يطالب بكشف مصير الإمام المغيّب قسرًا، وليلفت أنظار العالم إلى قضية سيد الوطن.

حقيقة، لا أعرف من أين أبدأ حكايتي مع الحاج عقل، هذا الاسم الذي كان الشغل الشاغل للناس والصحافة طوال الفترة الممتدة من 1975 ولغاية تجميده من مسؤولياته الحركية عام 1987. الأحداث كثيرة، وأعذروا تقصيري.

عقل حمية، وفخامة الاسم تكفيه، لتضيف إليها صاحب طلّة بهية، وطول فارع، ولحية كثة، ولكنة بقاعية قاسية، عزّزت صورته كقائد عسكري يذكّر بقادة الثورات. بداية مشواره كانت رفقته للإمام موسى الصدر الذي أصبح مثاله وقدوته وأيقونته الغالية، ليصبح بعدها المسؤول العسكري الأول لـ الحركة الخضراء، طبعًا بعد أن تدرّب على يد العالم الفيزيائي الدكتور مصطفى شمران، أول مسؤول تنظيمي للحركة على مستوى لبنان، ووزير دفاع إيران في عهد الإمام الخميني بعد الثورة، حيث استشهد على جبهة المواجهة مع عراق صدام وقتها.

استطاع عقل حمية أن يكون أحد روافع حركة أمل إلى الواجهة، وأحد اللاعبين الأساسيين في توسيع نطاق حضورها الفاعل في الجغرافيا الشيعية أولًا، ثم في بسط نفوذها على بيروت الغربية في أعقاب ما عُرف لاحقًا بـ انتفاضة 6 شباط عام 1984. وهي الانتفاضة التي مهّدت الطريق للصعود الكبير للحركة، وليصبح رئيسها الأستاذ نبيه بري رقمًا صعبًا في عالم السياسة، وصاحب دور في انعطافة مفصلية في المشهد السياسي، نفضت واقع ما بعد الاجتياح العسكري الصهيوني للبنان عام 1982.

بعد تغييب الإمام، أخذ عقل على عاتقه السعي لكشف مصيره عبر خطف الطائرات. ولقد وصل عدد الطائرات التي اختطفها إلى ست طائرات، وهو رقم لم ينافسه فيه أحد. كما خاض معارك ومواجهات على تخوم المطار وفي حي السلم وبرج البراجنة مع قوات المارينز الأمريكية التي ساندتها المدمرة نيوجرسي، لكن بقيت الحركة بقيادة عقل مسيطرة على مناطق نفوذها.

عام 1979، كان مرافقًا لآية الله الإمام الخميني في رحلته من فرنسا إلى بلاده، وقد قاتل في فترة من الفترات السوفييت إبان احتلالهم لأفغانستان، كما شارك أيضًا في الحرب الإيرانية – العراقية في مواجهة الرئيس صدام حسين.

في العشرينيات من عمره، أصبح قائدًا للحركة التي أنشأها الإمام موسى الصدر لنصرة المحرومين. عام 1982، خاض هو ومقاتلوه، إضافةً إلى الحاج عماد ورفاقهم، المواجهات على محور خلدة، حيث كبّد الكيان خسائر إبان اجتياحه للبنان.

لا نعلم هل قلنا كل ما يجب أن يُقال، أم أن للحديث تتمة. غادرنا أبو شمران بصمت عن عمر 64 عامًا في بلدته، بعد إصابته بمرض عضال، بخلاف كل فترة شبابه الصاخبة. رحم الله حمزة عقل حمية، وأدخله فسيح جنانه، والأكيد أنه لم يمرّ دون أن يترك بصمته على الأحداث في الفترة التي كان فيها متصدّيًا للأحداث.

 

شاهد أيضاً

وكالة مهر الإيرانية تكشف تفاصيل مسودة تفاهم من 14 بندا بين إيران والولايات المتحدة

  كشفت وكالة مهر الإيرانية للأنباء عن تفاصيل جديدة لمسودة مذكرة تفاهم من 14 بندا …