اليوم ليس ككل يوم. اليوم كُتب بالنصر، بدم الشهداء الذين خطّوا بدمائهم حدود الكرامة والسيادة، بدم شهيد الأمة، بدم كل من حمل السلاح أو الكلمة أو الحلم بأن يأتي هذا اليوم. اليوم، انسحب العدو الصهيوني من الأراضي اللبنانية، كما خرج سابقًا، وكما سيخرج دائمًا حين تواجهه إرادة لا تنكسر.
لم يكن الانسحاب حدثًا مفاجئًا، بل كان حصيلة سنوات من المواجهة، من المقاومة، من الإصرار على أن الأرض لا تُسترد إلا بالقوة. بدأ العدو يُدرك منذ فترة أن بقاءه في هذه البقعة لم يعد ممكنًا، وأن الأرض التي ظنّ أنها ستُطوّعه قد قلبت السحر عليه، فأصبحت محارق لجنوده وثكناته.
في الأيام الماضية، تصاعد الضغط العسكري والميداني، ومعه تضاعفت الضربات النوعية التي طالت مواقعه. تكتيكات دقيقة، عمليات جريئة، وانهيار في معنويات جنوده وضباطه الذين لم يعودوا يثقون بأي حصن يبنونه، فكلّ حصونهم تهتز تحت وقع الصواريخ والكمائن والعبوات التي زرعها رجال يعرفون دروب الأرض أكثر من العدو نفسه.
منح العدو الإسرائيلي مهلة شهرين لسحب قوته، ظنّ أنه بتلك الفترة سيستطيع تهدئة الوضع وإعادة ترتيب صفوفه. ولكن عندما انتهت المهلة، وجد العدو نفسه أمام واقع مغاير تمامًا، إذ كان العالم يترقب مطالبات لبنان بالأراضي والقرى، وأصبح الوضع على الأرض مختلفًا. ومع مرور الأيام، طلب العدو تمديدًا آخر. كانت الـ18 يومًا التي طلبها بمثابة محاولة أخيرة، ولكن الشعب اللبناني لم يكن في حال من الاستسلام أو الانتظار. كانت الإرادة قد تجسدت في كل زاوية من الأرض اللبنانية. رفضت الجماهير التراجع، رفضت العزلة، وخرجت من وراء سلاحها تقاوم لاسترجاع ما كان لها.
لكن في الداخل، لم يكن كل شيء صافيًا، فهناك من لا يروق لهم هذا النصر، هناك من يعيشون على الهزيمة ويرتبط مصيرهم ببقاء الاحتلال. هؤلاء العملاء الذين لطالما راهنوا على الفتنة، تحركوا في الخفاء، يحاولون زرع الشقاق بين الطوائف، وجرّ الجيش إلى صراعات لا تخدم إلا العدو. تحريض هنا، وشائعات هناك، محاولات بائسة لإحداث شرخ بين الشعب والجيش، وكأنهم لم يتعلموا من التاريخ أن هذه الألاعيب لا تنجح إلا على من خان نفسه قبل أن يخون وطنه.
هؤلاء يجب أن يُخرسوا، أن يجلسوا على جانبهم، أن يتواروا كما تتوارى الهزائم في ظل الانتصارات. هذا زمن الأحرار، لا زمن الخونة، وزمن النصر لا يتحمل بقايا العملاء الذين دخلوا مرحلة صناعة الأوهام والمقار الورقية التي ستنهار كما انهار الاحتلال نفسه.
لم يكن أمام العدو إلا الفشل. فشل في خطط بقائه، في محاولة تشويه الواقع، وفي محاولة توجيه ضربات كان يعتقد أنها قد تردع المقاومة. في النهاية، كان عليه أن يرحل، لم يعد لديه مجال للبقاء. انسحب العدو، ورحل مهزومًا، بينما الشعب اللبناني، بكل مكوناته، يواصل النضال لاستعادة كل شبر من أرضه، يقظًا لكل مؤامرة، جاهزًا لإسقاط أي محاولة جديدة لإضعاف هذا النصر.
ريما فارس
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
