علي علي احمد/ كفررمان
كانت قدماه العاريتان تلامسان الأرض كمن يتحسَّس نبضها، كمن يواسيها بصمتٍ موجوع. يمشي فوق الأنقاض كما لو أن الدمار جزءٌ منه، أو كأنه ما تبقّى بعد كل شيء. طفلٌ صغير، لكن عينيه مثقلتان بسنواتٍ لم يعشها بعد، بعمرٍ سُرق منه قبل الأوان. لم يعد يخشى الزجاج المهشَّم ولا الحجارة المتناثرة، فقد صار الألم جلده الثاني، وصارت قدماه الحافيتان دليلًا على أنه لا يزال هنا، فوق أرضٍ تريده، وتأبى أن تكون لسواه.
كان يمشي بين البيوت التي لم تَعُد بيوتًا، بين الجدران التي التصق بها الرماد، يحمل فوق كتفيه ذاكرة الراحلين، يتلمَّس بأصابعه بقايا حياةٍ دفنها القدر تحت الركام. عند زاوية شارعٍ كان يومًا مألوفًا، توقفت قدماه. هناك، تحت طبقات الغبار، لمح لعبته القديمة، تلك التي كانت شاهدًا على طفولةٍ تاهت بين الدمار. نفض عنها الرماد، رفعها إلى صدره، كأنّه يُعيد إليها دفءَ الأيام التي انطفأت… أو ربما يحاول أن يسترجع شيئًا منه، شيئًا من طفلٍ كان هنا ولم يَعُد.
رفع رأسه إلى السماء، فلم يجدها زرقاء كما في الحكايات، بل رمادية، ثقيلة، كأنها تحمل في سوادها أسرارًا لا تُقال. سألها بعينيه:
“أما زلتِ ترَيننا؟ أما زلتِ تذكرين وجوهنا؟”
لكنها ظلت صامتة، كالجميع، كأولئك الذين وعدوا ثم رحلوا، كأولئك الذين ملأوا الدنيا بالكلام، ولم يتركوا أثرًا للحياة.
وفي البعيد، جاءه صوتٌ مختلف، صوتٌ يعرفه رغم أنه لم يلتقِ بصاحبه من قبل. لم يكن صوت اتفاقيات تُصاغ بين الجدران، ولا أوامر تُلقى على الورق، بل كان صوتًا ينزف كما ينزف الآن، صوتًا صمد كما يصمد هو.
واصل سيره. لم يكن يعلم إلى أين، لكنه كان يدرك أنه ما زال هنا، فوق أرضٍ تريده، وتأبى أن تكون لسواه. كان صغيرًا، لكنه رأى ما لم يره كثيرون، كان وحيدًا، لكنه لم يكن فارغًا، كان ممتلئًا بأحلامٍ لم يدفنها الركام، بأصواتٍ لا تزال تنبض داخله، بأسماءٍ لم ينسَها.
سار حافيًا، لكن خطاه كانت أكثر ثباتًا من أولئك الذين يسيرون بأحذيتهم اللامعة فوق ألمه، دون أن يلتفتوا.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
