محمد نور الدين
إذا كانت عناوين المسألة السورية التي تخصّ تركيا كثيرة، فإن قضيّة وجود «وحدات حماية الشعب» الكردية، العصب الرئيسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، تشكّل الشغل الشاغل لأنقرة، كون الأخيرة تَعتبر القوات الكردية في سوريا، مجرّد امتداد لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي تصنّفه إرهابياً. وبعدما اطمأنّت تركيا إلى أن سوريا باتت في غالبيتها العظمى تحت نفوذها، فهي تعمل الآن على تحريك الموضوع الكردي الذي سيكون بمثابة المعضلة الكبرى لها في المستقبل، بعدما أوجد الأكراد تجربة جديدة في منطقة شرق الفرات، يطلقون عليها اسم «روجافا»، حيث يشكّلون إدارة ذاتية مدعومة من الولايات المتحدة.

وترى أنقرة في الوجود الكردي المسلّح عند حدودها تهديداً لأمنها القومي، إذ تقول إن الأكراد يسعون إلى إقامة «كوريدور» على امتداد الشمال السوري مع تركيا. وعمّا ستفعله السلطات التركية في شرق الفرات، يقول الكاتب عبد القادر سيلفي، في صحيفة «حرييات»، إن بلاده تنطلق الآن ممّا قاله أحمد الشرع (الجولاني) من «أننا سنحلّ التنظيمات المسلحة»، وهو الهدف الأهمّ بالنسبة إلى إدارة سوريا الجديدة. ويورد سيلفي ما يقوله المسؤولون الأتراك، ليدلّل على استراتيجية أنقرة السورية لتصفية «وحدات حماية الشعب»، إذ ينقل عن وزير الخارجية، حاقان فيدان، قوله إنه «في سوريا الآن، حكومة وطنية. وهي لن تعترف بقوات الحماية الكردية ولا بأيّ قوّة مسلحة أخرى». وكان فيدان أشار، في حديث تلفزيوني، إلى ثلاث مراحل لإنهاء الوجود الكردي المسلح في سوريا: «الأولى، مغادرة المقاتلين غير السوريين في صفوف الأكراد إلى خارج سوريا؛ والثانية، مغادرة قادة وحدات الحماية وحزب العمال الكردستاني سوريا سواء أكانوا سوريين أم غير سوريين؛ والثالثة، تسليم السلاح المتبقّي لدى الأكراد السوريين والاندماج في المجتمع كأيّ عنصر سوري آخر». وتعليقاً على ذلك، يقول سيلفي إن «هدفنا الاستراتيجي هو تصفية وحدات الحماية الكردية: إمّا أن تحلّ نفسها بنفسها أو أن يتمّ حلّها بالقوّة»، لافتاً أيضاً إلى تذرُّع واشنطن بتنظيم «داعش» لإبقاء وجود المسلحين الأكراد. وفي هذا الإطار يقول: «في كل مناسبة، تُرفع داعش كفزّاعة، تماماً مثل المثل الذي يقول: يوجد لكلّ باب مفتاح إنكليزي»، علماً أن تركيا اقترحت على الأميركيين مقابل إنهاء «وحدات الحماية» أن تتكفّل هي بتخصيص ثلاثة ألوية لمحاربة التنظيم «إذا كانت الحجّة داعش. ومع سوريا الجديدة، سقطت ذريعة داعش ودعم أميركا للأكراد». وانتقالاً إلى نقطة أخرى لافتة، يتساءل سيلفي: «إذا كان الحلّ في سوريا تصفية وحدات الحماية الكردية، فهل يمكن تعميم هذا الحلّ على الداخل التركي؟»، ليجيب: «لِمَ لا؟».
«ما جرى في سوريا بعد الذي جرى في العراق، يعني شيئاً واحداً، وهو إفلاس نظام سايكس بيكو وسقوطه»
من جهته، يكتب فهيم طاشتكين، في صحيفة «غازيتيه دوار»، عن موقع الأكراد في المعادلة الداخلية والإقليمية، ليقول إن «اللاعبين الأساسيين في المعركة القذرة التي بدأت عام 2011، وصلوا إلى أهدافهم عبر القوى الجهادية. وتمّ تكليف هيئة تحرير الشام بإعادة صياغة سوريا من جديد»، لافتاً إلى أن «أميركا راضية عن النتيجة، لكن ليس عن المستقبل. أمّا تركيا، فتأتي لتقول، عبر زيارة رئيس الاستخبارات إبراهيم قالين إلى دمشق ولقائه الجولاني: إنني هنا». ويعتبر طاشتكين أن «على الدول العربية أن تبدي قلقها. ففي مصر، سيسعى الإخوان المسلمون إلى رفع رأسهم من جديد. ولن توافق الدول العربية على أن تُترك سوريا لهيئة تحرير الشام وحدها. أمّا إسرائيل، فلن تقبل بزعزعة استقرار الأردن، الذي أنشئ لحمايتها، لمصلحة الجماعات الجهادية». ويشير الكاتب إلى أن «اجتماع العقبة كان أمام مفارقة التعامل مع الوضع الجديد، فيما هيئة تحرير الشام مصنّفة إرهابية على قوائم كل الدول التي اجتمعت. ربّما تلعب تركيا دور الضامن للجولاني وتقديمه كمعتدل». ويرى أن «الجميع، من الولايات المتحدة إلى تركيا، متفقون على هدم سوريا من أجل أمن ومصالح إسرائيل. لكن عندما يأتي الأمر إلى الأكراد، يَظهر الاختلاف بين واشنطن وأنقرة. ولكن لا تركيا تستطيع أن تفعل شيئاً غصباً عن أميركا، والعكس صحيح، فيما إخراج النظام الجديد الى النور يحتاج إلى تنسيق تركي – أميركي»، معتبراً أن أنقرة «تسعى وراء سيطرة الجيش الوطني السوري على المناطق الكردية، وعرقلة أيّ توجّه يفتح طريق دمشق أمام الأكراد». ووفقاً للكاتب، فإن الأميركيين «لا يريدون تغيير الوضع الحالي في شرق الفرات. يعملون على وفد كردي واحد يتفاهم مع دمشق. أمّا بالنسبة إلى الأقليات من المسيحيين والعلويين والدروز والسريان وغيرهم، فإنهم يسعون إلى ضمانات مع السلطة الجديدة وليست لديهم خيارات أخرى، فيما الأكراد وحدهم يمتلكون البنية الصلبة للتفاوض وفرض الشروط من منطلق قوي».
أما مراد يتكين فيَذكر أن اجتماع العقبة أسفر عن ثلاثة نداءات: «حكومة شاملة، واحترام حقوق الأقليات، وعدم تحويل سوريا إلى قاعدة للمنظمات الإرهابية». ويرى الكاتب، تعليقاً على ذلك، أن «أنقرة لا تريد إلغاء الأكراد، ولكنها لا تريد أن يمثّلهم منتمون إلى حزب العمال الكردستاني. وهذا هو التناقض الأساسي بين تركيا والولايات المتحدة، خصوصاً أن وزير الدفاع التركي، ياشار غولر، قال في اليوم نفسه لاجتماع العقبة، إنه يجب تصفية حزب العمال الكردستاني ووحدات الحماية الكردية. وقد أبلغنا ذلك بوضوح لأصدقائنا الأميركيين، ونأمل أن يعيدوا تقييم موقفهم من الموضوع». ويلاحظ يتكين أن اسمَيْ روسيا وإيران لم يَعودا يُذكران في سياق الحديث عن تشكيل النظام الجديد، ولا المشاركة في اجتماع العقبة، إذ إن الجميع ينتظر الآن بدء حقبة دونالد ترامب ليُبنى على الشيء مقتضاه.
وبالنسبة إلى ظفر يوريك، في «غازيتيه دوار»، فإن «ما جرى في سوريا بعد الذي جرى في العراق، يعني شيئاً واحداً، وهو إفلاس نظام سايكس بيكو وسقوطه». ويقول إن «إنشاء إسرائيل، عام 1948، كان عبارة عن كيس من الديناميت زرعته إنكلترا في منطقة سايكس – بيكو. وظهرت القضية الفلسطينية قضية أولى لدى الدول العربية التي استنزفت من أجلها كل مواردها الطبيعية والنفطية. وبعد 20 عاماً على سقوط بغداد، يشكّل سقوط دمشق إشارة قوية إلى لحظة توديع سايكس بيكو بصيغته القديمة». وفي السياق نفسه، ترى صحيفة «حرييات» أن «خريطة التوازنات في المنطقة تغيّرت: روسيا خسرت وفقدت صورتها وتراجع نفوذها كثيراً. وإيران وحزب الله تلقّيا ضربةً كبيرة بعد إسقاط سوريا التي كانت تمثّل قلب محور المقاومة وخط الإمداد بين العراق ولبنان. وإسرائيل أحرقت وتقدَّمت واحتلَّت. أما تركيا، فقد ربحت سوريا».
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
