العزة السرمدية والحياة الأبدية

عدنان عبدالله الجنيد .

إن الشهادة إرث ورثناه عن النبي يحيى عليه السلام ، عن الحمزة بن عبدالمطلب رضوان الله عليه ، عن الإمام علي عليه السلام ، عن الإمام الحسين عليه السلام ، عن الإمام زيد عليه السلام ، عن عباس الموسوي وراغب حرب وعماد مغنية والشهيد القائد السيد حسين بن بدر الدين الحوثي ، عن الرئيس الشهيد صالح الصماد ، عن قاسم سليماني وإسماعيل هنية والسيد حسن نصر الله ويحيى السنوار رضوان الله عليهم . 

وأن كل أسرة قدمت شهيداً في سبيل الله ، فإنها بنت لبنة من المجد ، لبنة من العزة في بنيان الإسلام والإيمان الشامخ.

في الذكرى السنوية للشهيد ، وتلبيتاً لتوجيهات قائد الثورة يحفظه الله في هذه المناسبة نركز فيها على تخليد ذكرى الشهداء ، والحديث عن سيرتهم ، وعن عطائهم باعتبارها مدرسة نموذجية تقدم لنا ، وتجسد لنا قيم الإسلام ومبادئه ، وعرفاناً بحقهم.

أيضاً بالحديث عن قدسية الشهادة، وعن مفهوم الشهادة بالمعنى الصحيح، والمفهوم الصحيح الذي قدَّمه القرآن الكريم، وأهمية هذا المفهوم الذي له صلة كبيرة جدًّا بحياة الأمة، بعزتها، بقيمها، بدينها، بمبادئها الإسلامية الإلهية العظيمة.

وتتضمن هذة القدسية مايلي:

1- الله هو الذي يتخذ الشهداء : أنَّ الشهادة في سبيل الله تعالى منزلةٌ رفيعة، واختيارٌ إلهي، الشهادة ليست مسألةً عادية، وليست مسألة بسيطة، هي شيءٌ عظيم، شأنها كبير، هي في مقدِّمة كل شيء: منزلة رفيعة عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، من يحظى بها من الناس، من المسلمين، من المؤمنين؛ فقد حظي بشرفٍ كبير، منزلته عند الله تعالى- عند الله وهذا أعظم من كل شيء- منزلة رفيعة، في القرب من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، فيما يحظى به من رضوان الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، من التكريم الإلهي؛ ولذلك ليست مسألة الشهادة مسألة عادية، ويمكن أن ينالها كل إنسان، هي اختيارٌ إلهي، الله يقول في القرآن الكريم: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}[آل عمران: من الآية140]، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يختار ويجتبي ويتخذ من يمنحه هذا الفضل، هذه المنزلة الرفيعة العالية، هذه المرتبة العالية في درجات الفضل عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}، فهي ذات مرتبة كبيرة في درجات القرب والفوز والتكريم الإلهي.

2-الله هو الذي يشتري الشهداء لقوله تعالى( إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )،التوبة- آية (111).

لا يتم الشراء إلا بالرضا لأن الشهداء لديهم الاحساس بالمسؤولية الذي يجعلهم يقفوا بوجه الظالمين و يتمتعون بروح العطاء والايثار و الشجاعة و الثبات و كل هذه المعاني اختزنها الشهداء و عبروا من خلال مواقفهم و صمودهم و في الاخير شهادتهم عن تلك القيم، وحملوا قوة الإيمان وقوة السلاح وهذا هو الفرق بين من يشتريهم الله وبين من يشتريهم الشيطان الأكبر.

الشهداء قدموا أنفسهم لله في ميادين الشرف والبطولة وهو يواجه العدوان الإجرامي والغزو الأجنبي.. وإننا في الذكرى السنوية للشهيد نستذكر فيها الشهداء ونستذكر مآثرهم وما يفيدنا في تعزيز عزمنا وصمودنا لنكون أقدر في مواصلة تجاوز الصعوبات ، يتجلى كرم الله سبحانه وتعالى وجوده وعطاءه، الله سبحانه وتعالى هو الذي يهبنا الأنفس، وهو الذي يعطينا المال، ثم يقول لنا بيعوني هذه الأنفس وبيعوني هذا المال، ولكم في مقابل هذا البيع الجنة، وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

3- الفوز العظيم الروح الحقيقي والعزة السرمدية والحياة الإبدية ، الشهادة هدية من الله تبارك وتعالى لمن هم آهل لها، إن الشهادة في سبيل الله تعالى هي إحدى الطرق للوصول إلى رضا الله والقرب منه، ومعنى الشهادة أن يقتل الإنسان في سبيل هدف سامٍ ونبيل في طاعة الله عز وجل.

4- الانتقال إلى حياةٍ حقيقيةٍ أبدية فيها السعادة والتكريم الإلهي العظيم، فيها الفرح الدائم، والاستبشار الأبدي، فيها الراحة والسعادة والكرامة، وهذا ما أكد عليه في القرآن الكريم، في قوله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 169-171].

لا يمكن أن يكون الإنسان خاسراً أبداً في سبيل الله، لا يمكن للإنسان أن يخسر أبداً عندما يستجيب لله، عندما يؤدي مسؤولياته التي أمره الله بها، لا خسارة مع الله مطلقاً، إن تنفق من مالك، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يخلف عليك في الدنيا والآخرة، ويضاعف لك الأجر أضعافاً كثيرة، الإنفاق في سبيل الله في حده الأدنى يضاعف إلى سبعمائة ضعف، عندما تضحي بحياتك في سبيل الله، الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” بكرمه، برحمته، بفضله، يأبى لك أن تخسر، وأن تكون ممن خسر حياته، ولذلك يبدلك عن هذه الحياة، بحياة سعيدة، باستضافةٍ كريمةٍ لديه “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، استضافة عظيمة كما أكَّد في هذه الآيات المباركة، فهو ينهى أن نحسبهم، أو أن نتخيل، أو نتصور، أو نظن، أو يكون في حساباتنا وتقديرنا وظنوننا أنهم أموات، ينهانا عن ذلك، ويؤكد بعبارةٍ صريحةٍ واضحةٍ جداً: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، فهم في ضيافة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لم يخسروا حياتهم، هم انتقلوا إلى حياةٍ أفضل، هذا هو كل ما في الأمر، انتقلوا من حياة، هذه الحياة بكل همومها، بكل آلامها وشدائدها، بكل معاناتها، إلى حياة سعيدة تماماً، سليمة من كل المنغصات، لا يشوبها كدر، لا يشوبها حَزَن، يعيشون فيها في إطار رعايةٍ إلهيةٍ عظيمة، وتكريمٍ كبير، {عِنْدَ رَبِّهِمْ}: توحي بهذا التكريم الكبير من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هم ضيوف الله، ضيوف الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الكريم، العظيم، الرحيم، هذا فيه مواساة كبيرة، أبلغ المواساة لكل أقربائهم، وأحبائهم، وأعزائهم، وإخوانهم، فيه مواساة كبيرة، لا تقلق على شهيدك، هو حيث هو خيرٌ له مما لو كان عندك، هو يتمنى أن لو كنت عنده أنت؛ لأنه في حياة أسعد وأهنى وأطيب من الحياة التي أنت فيها.

{بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، هذا دليلٌ قاطعٌ وواضح على أنهم في حياة حقيقية، أن الله يرزقهم فيها برزقه، ويحظون برعايته الواسعة، ويعيشون في حالة فرحٍ دائم، هذا المقام العظيم الذي كانت تتطلع إلية عيون أولياء الله الكبار ، فيطلبون من الله ويتوسلون إلية بلهفة أن يرزقهم هذا المقام الرفيع.

{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، آتاهم الشيء العظيم، الواسع، العجيب، الذي يفرحهم به، في ظل عطائه المتجدد والعظيم، فهم دائماً في حالة فرح، لا يساورهم أي هم، ولا أي غم، ولا أي ضجر، ولا أي ضيق، ولا أي ملل، ولا أي نقصٍ يعانون بسببه في شيء، حياة سعيدة بكل ما تعنيه السعادة.

{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، هناك لا هموم، ولا غموم، ولا مشاكل، ولا أحزان، ولا قلق، ولا أي شيء يسبب الهم للإنسان، حالة فرح واستبشار دائمة.

5- الاستبشار يشتبشرون الدين لم يلحقوا بهم ،لابد أن نكون على مستوى الاستبشار يبقى الشهداء دائماً حاضرون في اذهاننا ، وفي عقولنا، وفي قلوبنا ، وفي إراداتنا ، وفي أذهاننا، وفي عينا وفكرنا وثقافتنا وأدبياتنا وخطابنا ، ونحمل صفاتهم من الإيمان والمسؤولية والعمل والجهاد والصبر والتضحية ، والأرتباط بهم يقرب روحية الإنسان من روحيتهم حتى يصير واحداً منهم جاهزاً لتلقي هذا الفيض الإلهي الذي يلقوه ، وهو الشهادة ، وللوصول إلى مقام الشهادة يلزم توفر عدة أمور :

الزهد في الدنياء والعزم الراسخ والهمة العالية والارتباط بمدرسة عاشوراء والارتباط بالشهداء ، فالهدف أذاً هو الوصول إلى مقام العبادة والقرب من الله.

{وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}، لا زالوا يستبشرون لمن بقي وراءهم من إخوتهم في الدرب، في الطريق، في الموقف، في التوجه؛ لأنهم وصلوا هم وسبقوا هم إلى ذلك النعيم العظيم، إلى تلك الحياة السعيدة الطيبة، فهم يتذكرون إخوانهم وأعزاءهم وأحباءهم، ويستبشرون لهم أنهم سيلحقوا بهم إلى ذلك النعيم، إلى تلك الحياة السعيدة.

{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}، هذا يعتبر وعداً قاطعاً، وضمانةً إلهية مطمئنة، لا يمكن أن يضيع الله أجرم المؤمنين في تضحياتهم، في عطائهم.

مفهوم الشهادة وفق الرؤية القرآنية هو:

– يحمي الأمة من الضياع، والتمييع، والرذيلة، والفساد.

– يرسِّخ المبادئ والقيم العظيمة.

– يربي الإنسان على الإباء والعزة والكرامة.

– وهو أيضاً يرتقي بالأمة إلى كسر هذا الحاجز: حاجز الترهيب والسطوة والجبروت.

– وبالتالي يرتقي بالأمة إلى مستوى التحرك لمواجهة الأعداء، مهما كان جبروتهم، مهما كان طغيانهم، مهما كانت وحشيتهم.

يجب أن يعلم عملاء أمريكا أن الشهادة في سبيل الله لا يمكن أن تقاس بالغلبة أو الهزيمة في ميادين القتال، مقام الشهادة نهاية العبودية والسير والسلوك في العالم المعنوي. لا تحقروا مقام الشهادة وعهداً منا للشهداء في معركة الجهاد المقدس والفتح الموعود  أننا على دربهم ماضون ومستمرون حتى تحقيق النصر وتحرير المقدسات .

 

شاهد أيضاً

شكر وامتنان

إيناس الفقية (راية الإسلام) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على …