خيار أشدّ وطأة على المستوطنين: العدوّ يموّل الحرب بالضرائب

ماهر سلامة

أفضى مسار الحرب وأكلافها المرتفعة على حكومة العدوّ، إلى مفصل يحتّم أمرَين؛ الأول، الإبقاء على حجم الإنفاق العسكري والاجتماعي على حاله، وبالتالي تسجيل عجز مالي كبير يموّل بالاستدانة وبتضخيم نسبة الدين العام إلى الناتج المحلّي. والثاني، التقشّف في الموازنة، وبالتالي خفض الإنفاق الاجتماعي والتنموي بهدف تمويل الإنفاق العسكري، أو اللجوء إلى زيادة الإيرادات من خلال زيادة الضرائب. حكومة العدوّ اختارت الخيار الثاني.
خيار العدوّ بدا واضحاً في موازنة 2025 التي طرحها وزير المال الإسرائيلي بلستلئيل سموتريتش، علماً أنها موازنة أثارت الكثير من الاعتراضات. وهو خيار يأتي في سياق قرارات اتخذت في السنة الماضية حين حاولت حكومة الكيان الصهيوني الحفاظ على استقرار نسبي في الوضع الاقتصادي، رغم أكلاف الحرب الباهظة، فلم تضمّن ميزانية 2024 أيّ زيادات ضريبية أو خفوضات كبيرة في الإنفاق. تفسير صحيفة هآرتز لهذا الأمر يفيد بأن هذا الخيار ترجم من خلال قرار بمراكمة عجز كبير في الميزانية، وهذا ما يعني، عملياً، تأجيل كلفة الحرب إلى وقت لاحق. وبمجرد أن حان «الوقت اللاحق»، الآن، بدأت التوقعات تتمحور حول قرار خفض العجز المالي لعام 2025. وآخر هذه التوقعات جاء على لسان صندوق النقد الدولي الذي قدّر أن ينخفض العجز إلى نحو 5.2% من الناتج المحلّي في السنة المقبلة.

(هيثم الموسوي)

بات واضحاً أن حكومة العدوّ لن تستطيع المضيّ قدماً بالنهج الذي سارت عليه في عام 2024، لأن الحرب مكلفة وتحتاج إلى تمويل، وخصوصاً إذا كانت حرباً طويلة الأمد مثل التي نشهدها اليوم، إذ تخطّت على جبهة غزّة أكثر من سنة، فيما تخطّت أربعين يوماً في لبنان وليست هناك مؤشرات بأن انتهاءها قريب. هذا النوع من الحروب الطويلة هو أمر جديد على الكيان الذي اعتاد أن تكون الحروب التي يخوضها قصيرة وخاطفة. أما اليوم، فنوع الحرب وأهدافها ودوافعها عند العدوّ، تجعلها حرباً طويلة الأمد. كلما طالت تصاعدت كلفتها بشكل مضاعف. تستطيع الحكومة أن تموّل الحرب بطرق غير تقليدية، أي الاعتماد على التقديمات الأميركية مثلاً، لكنّ أمراً كهذا لن يستمر إلا لفترة معينة وبوتيرة محدودة بسقف، وبالتالي في نهاية المطاف سيتحتّم عليها العودة إلى طرق التمويل التقليدية حيث تضيق الخيارات وتقتصر على النهج المتّبع منذ منتتصف الثمانينيات إلى اليوم، أي التقشّف. وقد اختارت حكومة العدوّ أن تتجه نحو زيادة التقشّف في موازنتها الأخيرة، وهو خيار غير مستغرب، إذ سبق لحكومة العدوّ أن اختبرت، في منتصف الثمانينيات، أزمة ديون حادة إلى جانب تضخّم متصاعد في الأسعار، فلجأت إلى إجراء تعديلات بنيوية في شكل النموذج الاقتصادي والسياسات المنبثقة عنه. وأدّى هذا التحوّل، الذي يشار إليه غالباً باسم «المنعطف النيوليبرالي» في إسرائيل، إلى ابتعاد الحكومة عن التدخل المباشر في السوق، وإلغاء القيود التنظيمية، وتحرير الاقتصاد، والخصخصة. ومع هذا كلّه، يفرض النهج النيوليبرالي الابتعاد عن الإنفاق غير الضروري، وهو تماماً ما قامت حكومة العدوّ باتباعه في وضع الموازنة 2025.

الحرب الطويلة لن تكون سهلة على اقتصاد العدوّ ولا على الرخاء الذي اعتاده المستوطنون

تلقّت الدول تاريخياً الإيرادات المطلوبة لتمويل الحروب بعدد من الطرق. وبحسب دراسة نشرتها مجلة «حل النزاعات» للباحثين غوستافو فلوريس – ماسيس وسارة كربس تحت عنوان «الاقتراض لدعم الحرب: تأثير تمويل الحرب على مواقف الجمهور تجاه الصراع»، هذه الطرق تتضمّن التجنيد الإجباري، والمصادرة، والتحالف مع دول أخرى توفر الموارد (على سبيل المثال، حرب الخليج عام 1991)، وطباعة النقود. لكنّ الوسيلتين الأكثر شيوعاً لتغطية أكلاف الحروب هما من خلال الضرائب أو الديون.
تُظهر الدراسة أن الأفراد أكثر حساسية لأكلاف الحرب عندما يشعرون بها من خلال الضرائب وليس الديون. وهذا هو جوهر انتقال تعاطي الحكومة الإسرائيلية مع ماليّة الحرب بين سنتي 2024 و2025، وهو انتقال من التمويل عبر الاستدانة إلى التمويل عبر فرض الضرائب والتقشّف.
الحرب الطويلة لن تكون سهلة على اقتصاد العدوّ، ولا على الرخاء الذي اعتاد مستوطنوه أن يعيشوا فيه. فمع الانعكاسات الاقتصادية المباشرة التي تتركها الحرب، وبدأ المستوطنون يشعرون بها، سواء كان الأمر عبر ارتفاع الأسعار أو ضرب بعض القطاعات الحيوية، فما سيشهده المستوطن الإسرائيلي السنة القادمة سيكون انعكاساً مباشراً للحرب على حياته اليومية، وستحتاج حكومة العدوّ مقابل هذا كلّه إلى أن تقدّم الحوافز المستدامة لإبقاء الرأي العام في صفّ استمرار الحرب.

شاهد أيضاً

سقوط الرهانات اليائسة: حتمية خيار كسر الحصار وفشل مناورات الفتنة البديلة”

” 🖋️رضوان حسين وعي تتكامل خيوط المؤامرات التي تحاك ضد اليمن برعاية أمريكية وسعودية مباشرة، …