حتمية الموت كحقيقة

*من صفحة الشيخ الدكتور سمير خير الدين حفظه الله*

تطلق بعض الكلمات أو الأفكار من قبيل أنّ الشهيد سماحة السيد حسن لم يمت أو أننا لا نريد أن نصدّق أنه استشهد أو أنه ليس من صنف مَن يستشهد أو يموت، وما شابه ذلك من الأمور التي تتطلّب تنبّهًا للمنطق القرآنيّ والعقائديّ من خلال ما يلي:

1_ حتمية الموت كحقيقة، قال تعالى:”كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”، فهو انتقال من نشأة إلى نشأة من حياة الدنيا إلى حياة البرزخ من وجود أدنى إلى وجود أعلى، والنفس الراجعة هي هي في الحياتين.
وهذا يفترض التعامل مع الموت كحتمية لا تستثني أحدًا حتى الرسول صلّى الله عليه وآله (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
ولذلك فإن سماحة السيد حسن ليس استثناء من القاعدة، حتى لو اعتدنا على وجوده المبارك وقيادته الربانية في كل المحطات ولسنين مديدة، فلا يصح التعامل مع العادات والأوهام، والناس أحيانا تتعامل مع اليقين معاملة الشك مع علمها باليقين، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “ما خلق الله عز وجل يقينًا لاشكّ فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت”.

2_ ليس الإنسان من يحدّد وقت الشهادة أو الموت، قال تعالى:” وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجّلا “، وقال:” وما يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب”.
3_ الشهادة توفيق إلهيّ، وليست عطاء مجانيًّا، هي نعمة من الله تعالى، فقد ورد عن رسول الله (ص) “من طلب الشهادة صادقًا أعطيها، وإن لم تصبه”، فشرط نيل الشهادة هو طلبها بصدق، ولن يطلبها بصدق إلا من خلال الإيمان بقيمتها، فالشهادة ثقافة وتربية وليست مجرد قتل، كما ليست مجرّد قرار وانتهى الأمر، بل هي تستلزم مقدّمات من الإنسان، إلا أن نيلها هو عطاء ليس من فعل الإنسان، بل هي رزق وتوفيق إلهيّ وفي الدعاء: “…وقتلاً في سبيلك فوفّق لنا…”، أو “…وأن تجعل وفاتي قتلاً في سبيلك مع أوليائك تحت راية الحقّ…”؛ لذا كان يقول الشهيد القائد سليماني: “شرط نيل الشهادة أن تسلك طريق الشهداء”، وقبل “أن يستشهد كل شهدائنا كانوا شهداء”، فحال الشهيد حال العالم، فما لم يتعلّم لن يصير عالمـًا، فما لم يسلك طريق الشهداء لن يصير شهيدًا
4_ إن انتهاء العمر بإرادة الله تعالى بعنوان الشهادة يعني أنه فضلا عن انتقال الشهيد إلى حياة البرزخ مع الذين سبقوه من الشهداء، يكشف عن أن شهادته بآثارها في البرزخ والدنيا صارت أعظم أثرًا من حياته في الدنيا، على قاعدة الإمام الخميني “اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر ” فالشهادة فوز شخصي، وكذلك هي ثورة وعي اجتماعية.
ولذا أعتقد أنه كما كانت دماء الإمام الحسين عليه السلام محيية لروح الإسلام الأصيل، وهناك اتحاد بين الإسلام الحقيقي الأصيل والإمام الحسين عليه السلام، بل هو الإسلام الناطق، وشهادته شكّلت معلمًا لكل طلاب الحقيقة وأحرار العالم، لأن دمه المقدّس صار باب الحقيقة أبدًا، لذا لن تضيع الحقيقة بعد الإمام الحسين عليه السلام، ولن تغيب شمسها، ويكفي في طلب الحقيقة طلبَ الحسين عليه السلام.

وشهيدنا الحبيب _ وهو حزن العمر_ سماحة السيد حسن هو نور من تلك الشمس الحسينية وامتداد لها، فكما أن الإسلام احتاج لبقائه لدماء الإمام الحسين عليه السلام، يبدو أن القدس بكل طُهرها ومقدساتها صارت محتاجة لكي ترى الشمس إلى الدم الأغلى في زماننا، الدم الذي جرى حبه في خفقات قلوبنا، في نظراته، في إطلالاته، في بسماته، في فرحه في حزنه، في سماحته في وداعته، في عطفه، في حركاته، في سكناته، في تصريحاته، في كلماته، في خطبه، في عظاته، في توجيهاته، في حضوره، في غيابه…
_ عهدنا يا سيدنا بعد أن ارتوينا من إكسير حبك، بعد أن تذوّقنا حلاوة العيش في عصرك، سيكون حضورك ونهجك نهجًا جاريا مجرى دمائنا، وستتحول كل أنفاسك الحسينية إلى بذور سنزرعها في روح الأجيال، فذاتك لا تموت وهي في عليائها بين يدي الله ومع الأحبّة من الشهداء، أمّا شخصيتك وروحيّتك فإننا ننعم بحضورها وخيرها وبركتها إلى حيث اللقاء مع صاحب الأمر والعزاء مع صاحب العصر والزمان، عجل الله تعالى له الفرج.

شاهد أيضاً

شكر وامتنان

إيناس الفقية (راية الإسلام) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على …