“اتحاد دول الساحل”: 3 انقلابات محاصرة تقارع الغرب والتكفيريين

   إبراهيم علوش

 

ليس من المستغرب أن تتخذ مواجهة مشروع تفكيك دول غربي أفريقيا شكل انقلابات تسعى إلى تأسيس حكم عسكري مركزي يمثل الرد الطبيعي على حالة الانفلات والتشظي في بيئة تتكوّن أصلاً من موزاييك عرقي ولغوي وقبلي.

يحتدم الصراع الدولي في كل أرجاء المعمورة، براً وبحراً وجواً وفضاء خارجياً، وتدور رحى هذا الصراع بالذات في جوارنا المباشر، مغاربياً وإسلامياً، على مسرح غربي أفريقيا في ثلاث دول متجاورة تحديداً هي النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

أعلنت تلك الدول في 6 تموز / يوليو الفائت تشكيل كونفدرالية باسم “تحالف دول الساحل” تبلغ مساحتها أكثر من 2.781 مليون كيلومتر مربع. وعلى الرغم من مساحتها الشاسعة ولقبها الساحلي، فإنها لا تملك منفذاً على أي بحر أو محيط.

في تسمية “تحالف دول الساحل” دلالةٌ جغرافية-سياسية طبعاً، لا جهلٌ بالجغرافيا، إذ إن النيجر ومالي وبوركينا فاسو تنتمي إلى دائرة “إكواس”، أو “المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا” المشاطئة للمحيط الأطلسي.

ويضم غرب أفريقيا 15 دولة تبلغ مساحتها مجتمعة أكثر من 5.11 مليون كيلومتر مربع، أي أن الكونفدرالية الجديدة بدولها الثلاث تمتد على أكثر من نصف غرب أفريقيا مساحةً، كما إنها تحتل قلبها موقعاً، وحيث يميل القلب، تتبع البقية، ومن هنا نظريات “قلب العالم” في الجغرافيا السياسية.

هذا مهمٌ، لا من زاوية الصراع بين الغرب المهيمن والأقطاب الصاعدة دولياً فحسب، بل لأنه يقع في دائرة أفريقية ذات غالبية مسلمة نحن جزءٌ منها، فضلاً عن كونها محاذية لليبيا والجزائر وموريتانيا، وفيها مكونٌ عربيٌ أو شقيقٌ للعربية، كما الطوارق الأمازيغ الذين ردهم ابن خلدون وغيره إلى اليمن، أو عرقية “الهَوسا” التي تتحدث ثاني أكثر لغة انتشاراً بين عائلة اللغات الأفرو-آسيوية بعد اللغة العربية، والتي تشكل أكثر من نصف سكان النيجر مثلاً. ويذكر أن اللهجة العربية الحسانية، التي تعد من أنقى اللهجات العربية وأقربها إلى الفصحى، تنتشر شمالي غربي مالي، انطلاقاً من المغرب العربي.

ويمثل المسلمون أكثر من 98% من مواطني النيجر، و95% من الماليين، ونحو 64% من مواطني بوركينا فاسو، ويتوزع باقي السكان بين المسيحية والديانات الوثنية الأفريقية القديمة. ويمر “خط التحوّل الأفريقي” الذي يفصل بين الصحراء الكبرى شمالاً وأحواض الأنهار الكبرى جنوباً عبر غرب أفريقيا.

يفصل ذلك الخط أيضاً، وهو أقرب إلى شريط يضيق أو يتسع بعرض مئات الكيلومترات أحياناً، بين البدو الرحل والرعاة من جهة والمزارعين من جهةٍ أخرى، ومن ثم بين مناطق انتشار الإسلام شمالاً ومناطق انتشار المسيحية والوثنية جنوباً، ويتخذ ذلك أحياناً شكل نزاع “عربي-زنجي” أيضاً، ويمكن فهم الخلاف بين حكومة مالي الحالية والجزائر بشأن الموقف من الطوارق استناداً إلى هذه الخلفية.

بداية سقوط أحجار الدومينو عام 2011

بدأت الحكاية من عدوان “الناتو” على ليبيا عام 2011، عندما عاد الطوارق منها مع كثيرٍ من الأسلحة الثقيلة إلى شمالي غربي النيجر ومنها إلى شمالي مالي التي سيطروا عليها معلنين “دولة أزواد المستقلة” بين عامي 2012 و2013.

لم يستتب الأمر للطوارق طويلاً حتى سيطرت فروع “داعش” و”القاعدة” على تلك الدولة ليتحوّل مشروعهم الانفصالي إلى كابوس تكفيري يعمّ منطقة غرب أفريقيا برمتها، وإن كان يفيض على دول المغرب العربي أحياناً. وكانت الجماعات التكفيرية قد اتخذت جنوبي غربي ليبيا، بعد “ربيع” عام 2011، منطلقاً للتغلغل في غرب أفريقيا.

تمتد منطقة غرب أفريقيا، من الشمال إلى الجنوب، من النيجر ونيجيريا في الشرق إلى السنغال وليبيريا في الغرب. وهناك من يضم تشاد، التي تحدها ليبيا شمالاً والسودان شرقاً والنيجر غرباً، إلى منطقة وسط أفريقيا جغرافياً، لا غربيها، على الرغم من قربها جغرافياً ومن أن المكوّن العربي الصريح فيها يبلغ نحو 16% من السكان، وأن نسبة المسلمين فيها نحو 60%.

استدعت الحكومة المالية قوات دولية والفرنسيين تحديداً، الذين كانوا يستعمرون معظم غرب أفريقيا ووسطها، لصد التكفيريين، لكن المعركة انتقلت من شمالي مالي إلى وسطها، وكما في سوريا والعراق، تحوّل التكفيريون إلى ذريعة لنشر القواعد الأجنبية في المنطقة.

راحت هجمات فروع “القاعدة” و”داعش”، في الآن عينه، تزعزع استقرار دول غرب أفريقيا ومجتمعاتها، وكانت الجماعات التكفيرية تتمدد وتكتسب مزيداً من الزخم انطلاقاً من بؤرتين: شمالي مالي غرباً، ومنه إلى النيجر وبوركينا فاسو، وجماعة “بوكو حرام” في نيجيريا شرقاً ومنها إلى النيجر أيضاً وتشاد والكاميرون. ويمكن اعتبار ذلك كله أحد التداعيات المباشرة لما يسمى “الربيع العربي”.

بعض العوامل التي سهلت الاختراق التكفيري غربي أفريقيا

لعل بيئة غربي أفريقيا التي تحفل بعشرات المجموعات العرقية واللغوية والدينية، والتي لم تندمج في شعوب متجانسة في أغلبيتها، ولا تخلو أمة من الأقليات طبعاً، وعدم قدرة تلك البيئة بالتالي على إنتاج دول مركزية قوية، سهلت الاختراق التكفيري للحاضنة الاجتماعية المسلمة في المنطقة.

كما إن الفقر الشديد، وانخفاض معدلات متوسط الدخل الفردي (نحو 900 دولار للفرد في السنة في مالي وبوركينا فاسو، و670 دولاراً في النيجر)، ووقوع تلك الدول في قاع قائمة مؤشر التنمية البشرية HDI عالمياً، وعجز حكوماتها عن حل مشكلة التنمية وعن تأمين الخدمات الاجتماعية، على خلفية تزايد سكاني عالي الوتيرة، ربما ساهم أيضاً في انتشار فكرة “الحل التكفيري” بين مسلمي تلك الدول.

أضف إلى ذلك أن عاملاً موضوعياً هو تزايد التصحر نتيجة التغير المناخي أو النشاطات البشرية، مثل تدمير الغطاء النباتي واستخدام المراعي والتربة الزراعية بصورةٍ جائرة غير قابلة للديمومة، أدى كله إلى تمدد الصحراء العربية الكبرى بمعدل 5 كيلومترات في السنة. وهذا يعني أن “خط التحول الأفريقي” ينتقل جنوباً بالسرعة ذاتها، ويعني ذلك بدوره تمدد الرحّل على حساب المزارعين، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تزايد الصدامات بين هاتين المجموعتين، ولعل ذلك ساهم في تغذية منطق الغزو الذي ركبته الجماعات التكفيرية في المنطقة.

شاهد أيضاً

الشهيد القائد الثائر الزاهد السيد علي خامنئي..سيتعلم التاريخ من سيرتك

بقلم// جهاد أيوب تسعون عاماً..منذ الولادة والحكاية مختلفة، فيها كبرياء الوجود، وحنكة المناضل الذي لم …