بعضُ وصايا الرَّسولِ (ص) في ذكرى وفاتِهِ

العلامة السيد علي فضل الله

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً}. صدق الله العظيم.
ذكرى وفاةِ الرَّسول (ص)
نستعيد في الثَّامن والعشرين من شهر صفر، ذكرى وفاة نبيّ الرَّحمة محمَّد بن عبد الله (ص)، اليوم الَّذي غادر فيه رسول الله (ص) الدّنيا، تاركاً وراءه لوعةً وألماً وحزناً في قلوب المؤمنين.
فقد المسلمون بغيابه من كان الصِّلة بينهم وبين الوحي، ومن أخرجهم من ظلمات الجهل إلى هدى الإيمان، وكان لهم الأب والمعلّم والمربّي، والحضن الدَّافئ الَّذي يخلدون إليه عندما تواجههم الهموم والغموم والصّعوبات والتحدّيات، وهو مما أخبر الله عنه، عندما قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
وكان (ص) رغم سموِّ منزلته، وعظيم شأنه وموقعه عند الله عزَّ وجلَّ، كان فيهم كأحدهم، فلم يكن يميِّز نفسه عنهم، حتَّى إنَّ القادم كان عندما يأتي إلى المكان الَّذي يتواجد فيه الرّسول (ص) وهو لا يعرفه، يسأل أيُّكم محمَّد.
ولذلك أحبَّه أصحابه حبّاً لا يدانيه حبّ سوى حبِّ الله، حبّاً يتقدَّم على حبّ الولد والوالد والزوج والزوجة وحبّ المال، وكانوا لا يطيقون فراقه وغيابه عنهم.
ومن هنا، فقد كان وقع غياب رسول الله شديداً عليهم، لكن رغم عظمة هذا المصاب، استمرَّ الإسلام من بعده، واشتدّ عوده، وانتشر في الأصقاع.
وكان رسول الله (ص) قد أعدَّهم وهيّأهم لذلك اليوم، فهو منذ بَدَأ دعوته، كان يركّز في أذهانهم أنَّه بشر، والبشر يموتون، وهو ما أشار إليه الله سبحانه، عندما قال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}، وإنَّ علاقتهم به علاقة الرِّسالة الَّتي جاء بها ودعا إليها، فلا ينبغي إن هو مات أو قتل أن تنتهي علاقتهم بهذه الرِّسالة أو أن ينقلبوا عليها، بل أن يتابعوها ويراكموا على ما بدأ به، وهو مدلول قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً}.
ونحن اليوم في ذكرى وفاته، سنتوقَّف عند بعض وصاياه الَّتي شدَّد عليها نظراً إلى أهميَّتها.
الوصيَّةُ بالتزامِ الصَّلاة
فمن وصاياه (ص) الَّتي بقي يلهج بها حتَّى آخر لحظات حياته، أن قال: “الصَّلاة الصَّلاة، الزموها”، فلا يشغلنَّكم عنها شاغل، واستكثروا منها، فإنّها عمود دينكم، ولا يقوم الدِّين إلَّا بها… “وما ملكت أيمانكم”، بأن أدّوا ما أوجبه الله عليكم، وأن أحسنوا إلى من هم تحت سلطتكم، بأن ترحموهم، وتؤدّوا إليهم حقوقهم، فلا يظلمون بحضرتكم، ثمَّ قال (ص): “ولا يموتنَّ أحدكم إلَّا ويحسن الظنَّ بالله”، فيرى كلَّ ما عند الله خير.
لا خلودَ لأحد
ووصيَّته الثَّانية التي جاءت بعد أن بلغه أنَّ النَّاس، رجالاً ونساءً، تبكيه لدنوّ أجله، بعدما علموا باشتداد مرضه، حينها جاء متّكئاً على عليّ (ع) وعمِّه العباس، ووقف قائلاً لهم: “أمَّا بعد، أيُّها النَّاس، فماذا تستنكرون من موت نبيِّكم؟! ألم ينعَ إليكم نفسَهُ وينعَ إليكم أنفسَكم؟! أم هل خُلِّدَ أحدٌ ممَّن بعث قبلي فيمن بعثوا فأخلد فيكم؟ ألا إنّي لاحقٌ بربّي، وقد تركت فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا؛ كتاب الله بين أظهركم، تقرأونه صباحاً ومساءً، فيه ما تأتون وما تدَّعون، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله، ألا ثمَّ أُوصيكم بعترتي أهل بيتي، أن لا تفترقوا عنهم أبداً حتَّى تقوم السَّاعة”.
التحرّرُ من تبعاتِ الدّنيا
أمَّا الوصيَّة الثَّالثة، فقد حصلت عندما دخل إليه الفضل بن العبَّاس وهو في شدَّة مرضه، فقال له: شدَّ هذه العصابة، فشدَّها، وهي عصابة كان يضعها عند اشتداد الوجع عليه. ثمَّ قال له: “أريد يدك”، فأخذ يده اليمنى، ومشى حتَّى دخل المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: “أيّها النَّاس، إنَّه قد دنا منِّي خفوق من بين أظهركم، وإنَّما أنا بشر، فأيّما رجل كنت قد أصبت من بشره شيئاً، فهذا بشري فليقتصّ، وأيّما رجل كنت أصبت ماله، فهذا مالي فليأخذ، واعلموا أنّ أولاكم بي رجل كان له من ذلك شيء، فأخذه أو حلَّلني، فلقيت ربي وأنا محلّل لي، ولا يقولنَّ رجل: إنِّي أخاف العداوة والشّحناء من رسول الله (ص)، فإنَّهما ليستا من طبيعتي ولا من خلقي، ومن غلبته نفسه على شيء، فليستعن بي حتَّى أدعو له”.
فقام إليه رجل فقال له – وهنا لاحظوا كيف علَّم رسول الله أصحابه أن يتحدَّثوا معه بحريَّة رغم معرفتهم بموقعه ومنزلته عند الله وفي النَّاس – “كنتَ مارّاً يا رسول الله ذات يوم في بعض أزقَّة المدينة، وكنت تركب ناقتك، فامتنَعَتْ عليكَ، فأومأت لها بالسَّوط، وأصاب جسدي، وأريد أن اقتصَّ منك”، فأمر رسول الله (ص) أن يؤتى بالسَّوط الَّذي كان يستخدمه يومها، حتَّى يكون عادلاً في الحكم، فيقتصّ الرَّجل بالسَّوط نفسه. أُعطِي الرَّجل السَّوط، وكشف له رسول الله عن موضع القصاص في جسده الشَّريف، وقال له اقتصّ، ولكنّ الرَّجل بدلاً من أن يقتصّ، راح يقبِّل موضع القصاص ويقول: “أعوذ بموضع القصاص من جسد رسول الله من النّار”، فقال له النَّبيّ (ص): “أتقتصّ أم تعفو؟”، فقال: “بل أعفو”، عندها قال النَّبيّ (ص): “اللّهمَّ اعف عنه كما عفا عنّي”.
لقد أراد رسول الله (ص) من خلال ذلك أن يرسم منهجاً لأصحابه؛ أن يكون كلّ همِّهم ألَّا يغادروا الدّنيا وعليهم تبعة للنَّاس، وأن يتقبَّلوا النَّقد ويروه هديَّة لهم، بل أن يدعوا النَّاس إليه، وأن يقرنوا القول بالفعل، فلا يدعوا النَّاس إلى أمرٍ إلَّا بعد أن يقوموا به ويبادروا إليه، فلا يأتوا بما نهت عنه الآية وحذَّرت منه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
لا نجاةَ إلَّا بالعمل
وكانت وصيَّته الأخيرة إلى أقاربه وأرحامه وإلى المسلمين جميعاً، والَّتي دعاهم فيها إلى العمل بما أمرهم الله عزَّ وجلَّ، والانتهاء عمَّا نهاهم عنه، وبأن لا يتَّكلوا للنَّجاة من الموقف بين يدي الله على انتسابهم أو انتمائهم، وهذا ما قاله لعمِّه العبَّاس: “يا عبَّاس بن عبد المطلب! اعمل لما عند الله فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئاً”، ولعمَّته صفيَّة، عندما قال: “يا صفيَّة بنت عبد المطَّلب، يا عمَّة رسول الله! اعملي لما عند الله، فإنِّي لا أغني عنك من الله شيئاً”، ولبضعته الزَّهراء (ع): “يا فاطمة بنت رسول الله! اعملي لما عند الله، فإنّي لا أغني عنك من الله شيئاً”. ثمَّ قال معبِّراً عن هذا المنهج: “ألا لا يدَّع مدَّع، ولا يتمنَّ متمنّ، والَّذي بعثني بالحقّ، لا ينجي إلَّا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت”.
الوفاءُ بحفظِ نهجِهِ (ص)
في ذكرى وفاة رسول الله، لنتوجَّه بقلوبنا وأفئدتنا إلى مقامه (ص)، لنجدِّد له عهد الوفاء، بأنَّنا سنتابع السَّير على هدي كلماته، ومن وحي سيرته، وأن نعمل بما جاء به، لا نبدِّل تبديلاً، وأنَّنا سنبذل الغالي والرَّخيص حتَّى نبقي ما جاء به نقياً فينا، حاضراً في العقول والقلوب والوجدان، وأن نوصل صوت رسالته الَّتي قدم التضحيات من أجلها، وأن نوصله إلى كلِّ مكان يمكننا الوصول إليه، وأن ندعو له بما كان يدعو به الإمام زين العابدين (ع): “اللَّهمَّ فارفعه بما كدح فيك إلى الدَّرجة العليا من جنَّتك، حتَّى لا يُساوى في منزلة، ولا يُكافأ في مرتبة، ولا يوازيه لديك ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وعرِّفه في أهله الطَّاهرين، وأمَّته المؤمنين، من حسن الشَّفاعة أجلَّ ما وعدْته، يا نافذَ العِدة، يا وافي القول، يا مبدِّل السيِّئات بأضعافها من الحسنات، إنَّك ذو الفضل العظيم”.

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …