ضرب “عاصمة” الحزب تمهيد للحرب الشاملة أو للترتيبات الأمنية؟

 

  زياد سامي عيتاني

بقصف إسرائيل للضاحية الجنوبية، وإغتيال فؤاد شكر المستشار العسكري للأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، تكون قد قصفت الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك والضوابط المعمول بها على جبهة لبنان الجنوبي منذ الثامن من أكتوبر، بموجب ما يشبه “البروتوكول” الحربي غير المعلن بين إسرائيل والحزب. صحيح أن لبنان الرسمي وقيادة “حزب الله” كانا تلمسا ماهية الرد الاسرائيلي على صاروخ مجدل شمس وكيفيته، ومعرفة ما إذا سيكون خلال ساعات أو أيام أو تأجيله، كجزء من المناورة والخدعة، التي تعتبر عسكرياً عاملاً نفسياً مهماً في إدارة المعارك، لكنهما وإستناداً الى التطمينات والضمانات الدولية، لم يتوقعا أن يكون الرد في عمق الضاحية معقل مقرات الحزب القيادية، خصوصاً بعد إعلان البيت الأبيض أنه “واثق” من إمكان تجنب حرب أوسع بين إسرائيل و”حزب الله”، ما يدفع إلى التساؤل عن حقيقة الموقف الأميركي المتناقض الذي يمكن أن يطلق عليه أنه “حمال أوجه”؟

ففي الوقت الذي كانت الديبلوماسية الأميركية مستنفرة إلى أقصى الدرجات، وتسابق الزمن لتجنب حرب شاملة بين إسرائيل و”حزب الله”، سُرّبت معلومات ديبلوماسية غربية عن أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو حصل على غطاء ودعم أميركي لفتح حرب واسعة على جنوب لبنان. والجدير ذكره في هذا السياق ما كان قد نقله موقع “أكسيوس” الأميركي عن مسؤول إسرائيلي وآخر أميركي أن “إدارة الرئيس جو بايدن حذرت إسرائيل من أنها إذا ضربت أهدافاً لحزب الله في بيروت رداً على هجوم مرتفعات الجولان السبت، فمن المرجح أن يخرج الوضع عن السيطرة”. وقال مسؤول أميركي للموقع: “نعتقد بالتأكيد أن ضربة للجيش الاسرائيلي على بيروت هي خط أحمر محتمل لحزب الله”.

ويربط المتابعون بين الضوء الأخضر الأميركي الذي حصل عليه نتنياهو وقرار “الكابينت” الاسرائيلي بتفويضه تولي عملية الرد على “حزب الله” بكل حيثياتها، بحيث نقلت “القناة 13” الاسرائيلية عن مسؤول مقرب من رئيس الوزراء، أن إسرائيل سترد بطريقة مختلفة عما كان عليه الوضع منذ بداية المواجهة مع “حزب الله”. كما نقلت عن مسؤولين أن إسرائيل تستعد لأيام من القتال مع الحزب، وأن كل سيناريوهات الرد التي تم بحثها ستقود وفق التوقعات الى أيام من القتال معه.

وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن المجلس المصغر حدد الهدف الذي ستتم مهاجمته في لبنان، وإن التقديرات ترجح أن يكون محدوداً لكن بتأثير قوي. وكانت إذاعة الجيش الاسرائيلي أعلنت أن “الجيش قام بصياغة عدة سيناريوهات محتملة للهجوم على لبنان، ووضعها أمام القيادة السياسية لبحثها خلال المشاورات”، مشيرة الى أن “من بين السيناريوهات المطروحة مسارات عمل عسكري أكثرَ صرامة من ذي قبل”. كما نقلت إذاعة الجيش عن مسؤولين قولهم إن إسرائيل غيرُ معنية بحرب شاملة وإنما بتوجيه ضربة مُوجعة لـ “حزب الله” من دون الانجرار الى إقليمية. وأضافت الاذاعة أن مسؤولين في الأجهزة الأمنية يؤكدون للقيادة السياسية خلال المشاورات أن الخُطط التي وضعوها قابلةٌ للتنفيذ فوراً من دون تأجيل.

الاندفاعة الديبلوماسية الأميركية الهادفة إلى “دوزنة” الرد الاسرائيلي، أعطت إسرائيل متسعاً من الوقت للتحضير للضربة بعناية، ما منحها القدرة على تحديد مسرح الضربة الانتقامية “غير التقليدية” وتوقيتها، وكذلك الهدف “الموجع” (حسب تعبيرها)، على الرغم من أن هيئة البث الاسرائيلية نقلت معلومات أنّ “القرار بشأن هدف هجوم الضاحية الجنوبية اتخذ يوم الأحد الماضي مع عودة نتيناهو من واشنطن”. كما أعلنت الهيئة بعد إستهداف الضاحية أن “إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة قبل تنفيذ محاولة الاغتيال في بيروت”.

إلا أن المستغرب، كيف تمكنت إسرائيل من رصد المستشار العسكري للأمين العام للحزب فؤاد شكر وتتبعه وإستهدافه وإغتياله، في وقت كان يتوقع “حزب الله” الرد الاسرائيلي في أي وقت وبأساليب مختلفة، ما دفعه الى إتخاذ كل الاجراءات والتدابير والحيطة، لتوفير أقصى الحماية الأمنية لقياداته ومؤسساته المختلفة! وهذا ما يؤكد أنه مكشوف أمنياً ومخابراتياً من العدو الصهيوني، على الرغم من القبضة الحديدية التي يعتمدها للمناعة الذاتية والداخلية لكل تكويناته الهيكلية والبشرية.

بعد إغتيال إسرائيل القيادي البارز في “حزب الله” فؤاد شكر في “عاصمة الحزب”، كيف سيكون رده على الرد، خصوصاً وأنه سبق أن أبلغ من يعنيهم الأمر أن “أي ضربة خارج حدود أو منطقة الاشتباك، فإن الردّ عليها سيكون فورياً”؟ علينا إنتظار القرار الذي سيتخذه الحزب بعد “عربدة” طائرة معادية في سماء الضاحية وتصفية شكر، بحيث من المعروف “برودة أعصاب” قيادته في التعاطي مع أي حدث مهما كان كبيراً بعيداً عن الانفعال الفوري، اذ يأخذ كامل وقته دراسة وتحليلاً لأي قرار يتخذه، مع إحتساب كل تداعياته ونتائجه.

هنا يجب التوقف عند ما أعلنه مسؤول إسرائيلي: “نأمل أن تكون الضربة الأخيرة في ضاحية بيروت هي نهاية هذه الجولة ولا نريد تصعيداً يمتد الى حرب أوسع نطاقاً”، ما يدعو الى التساؤل: هل هدفت إسرائيل من خلال الضربة المتوقعة الى تفاقم أسباب الحرب الموسعة، من دون الدخول فيها في المدى المنظور، وذلك لاستنفار المجتمع الدولي للتدخل بكل ثقله، وتحت ذريعة تجنب الحرب، لفصل جبهة لبنان عن حرب غزة، وبالتالي الشروع في مفاوضات تتعلق بإرساء ترتيبات أمنية مع لبنان، وفقاً للمقترحات التي سبق وأبلغها المبعوث الأميركي الخاص بلبنان آموس هوكشتاين الى الجانب اللبناني، ولاقت رفضاً من “حزب الله”، وبالتالي في حال إستمر الحزب على موقفه الرافض لمقترح هوكشتاين، هل سيستغل نتنياهو هذا الرفض كذريعة للبدء بحرب كارثية مدمرة؟

شاهد أيضاً

مسيرات حاشدة بمحافظة إب اليمنية تنديدا بإساءة المجرم ترامب لمكة المكرمة ..

  تقرير /حميد الطاهري شهدت محافظة إب “وسط اليمن”، اليوم، مسيرات جماهيرية حاشدة في ساحة …