إبراهيم رسول
سأسطرُ الكلمات الآتية بروحٍ مُحبةٍ, ونفسٍ خالصةٍ من أدران الأوبئة النفسية التي تُصيب الكثير من الناس, سأكتبُ اليوم عن رأيٍ يُمثلني ويمثل كلّ طالبٍ حرٍّ وفيٍ, الشكرُ والعرفانُ لمعلمٍ تعلمت منه هو فرضُ عينٍ على كلِّ طالبٍ! أنا أشهدُ وأُشهدُ أنّي تتلمذت وغرفتُ من أدبِ وثقافة الأساتذة في كلية الآداب جامعة الكوفة الكثير الكثير, وأشهدُ أنّهم قدموا المادة الدّراسية بأحسن ما يمكن أن تُقدم.
الأستاذ علي المختار, التدريسي في جامعة الكوفة, درست مادة النقد الإنجليزي على يديهِ وتعلمت منه أن أكون باحثًا حرًّا أصيلًا, وأتذكر أنّي أخذت منه أزمة المصطلح وإشكاليته التي كان يُحدثنا الكثير شرحًا مفصًلا, هذا الشرح كوّن منّي ومن غيري أن نخرج من الدرس وفي أذهاننا العديد من الأسئلة المنطقية التي حفزنا في إثارتها وتدّبرها, ولن أنسى يومًا, أنقذني فيه من حيرةِ ثلاثِ سنواتٍ, وهو أنّي تعبت من موضوعٍ نقديٍ, اشتغلتُ عليه حوالي ثلاث سنوات ولم أصل فيه إلى ما آملُ أن يصلَ إليه الباحثُ في الدرسِ النقّدي, وأخذت من محاضرةٍ واحدةٍ ثلاث عناوين لفصول البحث الذي كنت أشتغلُ عليه, فهو مدينٌ لي بأنّه عرّفني أزمة المصطلح النقدي وتوظيفه, ومن يشهد محاضرة الدكتور المختار, سيخرج منها وهو يحملُ العشرات من الأسئلة غير النمطية التي تحتاجُ إلى أجوبةٍ غير مُعلّبة! فهو ناقدُ يُعلم طُلابه أن يبحثوا لا أن يتلقوا الإجابات جاهزة, فهوُ صاحبُ المقولة التي حفظناها عنه: ( أنا مرشد ) وهو يحدثنا عن التحوّلات الكبيرة التي وصلتنا من نتاجات ما بعد الحداثة, إذ كان الأستاذ الجامعيُ يعتبر من السرديات الكبرى, التي هي حقٌ مطلقٌ لا ريبَ فيه, وأنّ الأستاذَ هو مصدر المعلومة, أما اليوم انتشرت المعلومة وأمست بيد كل من يريدها, فهي موجودةٌ وبكلِّ سهولةٍ يحصل عليها الباحث.
المختار علي, علّمنا أن نقرأ الحداثة ونأخذ منها ما يواكب مسيرتنا الحياتية, وصرنا نقرأ الدرس النقدي بشغفٍ كبير, حتّى أنّ صعوبةَ الدّرس النقدي لم تكن إلا صعوبة حبٍّ وتطلعٍ, المختار حوّل درسه النقدي إلى ميدانِ بحثٍ وتدبرٍ في المصطلحات النقدية ما بعد حداثية.
وأما الأستاذ مهند السلطاني, أستاذ الأدب الإنجليزي, الذي قرأنا وتعلمنا منه مادة المسرح الإنجليزي, شعارهُ الذي حفظناه جميعًا: ( أن تفهم), وبالفعلِ كان الفهم هو السِمة التي يتبارى فيها الطلاب وكل لديه وجهة نظرٍ في ثيمةِ أو رمزيةِ أو شخصية أيّ مسرحيةٍ من المسرحيات التي تقررها المرحلة الدراسية, فقرأنا المسرحيات بحسب القراءة الإيجابية التي تلقيناه منه, مهند السلطاني, باحثٌ في الأدب, وقارئٌ نهمٌ لكثيرٍ منه, فهو يسحرك بروعةِ أسلوبهِ ورؤاه الناقدة التي يذهب فيها ذات اليمين وذات اليسار, قرأ علينا المسرحيات كاملةً, ولم يترك دلالة هنا أو ثيمة هناك أو رمزية أبعد من هناك إلا وسلّط الضوء عليها.
كان يتسم بالسكينةِ والصفاء الداخلي, سمعت منه نصيحة لا تقدر إلا بالأخذ بها كاملة, وهو أن من يقرأ ويفهم ويتابع لن يجد الصعوبة في ما بعد التخرج, عليكم أن تقرأوا لأجل الفهم لا لأجل النجاح! فالنجاح هيّنٌ وليس بالمستحيلِ! لكن, أن تقرأ وتفهم, يعني أنّك مسلّحٌ بالثقافةِ, والثقافة هي الحصن الذي تتحصن فيه.
وثمةَ ميزة أخرى وهي , يجب أن تكون الباحث المعبأ بالثقافة الإنجليزية, وعليك أن توظفَ ما تعلمته وتنتفعَ منه! لم ننسَ المحاضرة الأولى في الكورس الثاني من سنة 2023, حينما دخل علينا وقد كانت المسرحية المقررة هي ( مقتل بائع متجول) للكاتب آرثر ميلر, وقال كلمته التمهيدية في المحاضرة الأولى منها: رتب نفسك, وكل الشكر لمن وضع هذه المسرحية في المقرر الدراسي في السنة الأخيرة ! لأنّها مسرحيةٌ قامت على الخيال والوهم والخديعة, خديعة الحلم الأمريكي, الحُلم الذي كان ضحيته الشخص ( ويلي), الذي عاش سنوات عمره يعمل وفي الأخير لم يحصل على التقدير والضمان لجهوده الكبيرة طول كل سنوات العمر التي قضاها بائعًا متجولًّا!
هذان الأستاذان, الطيبان, الأصيلان, تعلمت منهما ما يجعلني أفتخر طول سنوات حياتي بأنّي أخذت منهما ما فتح لي الآفاق الرّحبة في الثقافة الإنجليزية, وأرى انّ الكتابةَ عن عظيم ما أسدياه لي تكون من قُبيل وجوب الشكر , ولكن هذا الشكر هو الجهد القليل الذي أشكر به جهودهما معًا, وأدعوا الله أن تكون حياتهما مليئة بالعطاءِ والتوفيق الدائم, وأن يستمرّا على نهجهما التعليمي والبحثي, لأنَّه النهج المثمر الذي يخرج الثمار الطيبة, وهذه الثمار ستنتشر في فضاء الوطن, ناشرة الوعي والمعرفة والآداب.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
