مشاهدات من أميركا اللاتينية-Paraíso- Venezuela

 

(خاص) كتبها: عبدالناصر طه/كاراكس-فنزويلا

كواليس – جاليات غنية بالموارد المالية، ناجحة اقتصاديا، ولكنها فقيرة عمليا ودينيا، فلا وحدة اجتماعية ولا مدارس ولا مراكز ثقافية، وإنما يقتصر الأمر على جهود فردية من هنا ومن هناك؛ وبالرغم من الإمكانيات المادية الجيدة لدى أفراد الجالية الإسلامية العربية، فترى المؤسسات الدينية والاجتماعية تنتظر مساعدة من سفارة أو من هيئة إسلامية أو من متمول مساهم أو ما شابه.

لكنك ترى في شهر رمضان المبارك صورة مشرقة مغايرة للحقيقة المرة، حيث يلتقي معظم شباب الجالية تحت سقف المسجد القريب، وفي باحاته الخارجية، ثم ترى الأبناء الكبار والصغار يرافقون آباءهم، ويلعبون ويلهون مع اترابهم، بينما يتسامر الكبار في شؤون داخلية وخارجية، تبدأ بالحديث عن هموم الاغتراب وتنتهي في طرق أبواب الأخبار العالمية ومستجداتها.

شهر تتبدل فيه الأمور وتتقلب، بعضهم يتمنى أن يدوم الشهر الفضيل أو يطول، طمعا في مغفرة أو أملا في استجابة، والبعض الآخر ينتظر حلول عيد الفطر السعيد ليعود إلى سابق عهده في الكفاح والعمل الدؤوب للوصول إلى وضع اقتصادي افضل، في زمن تفاقمت فيه الأزمات الخانقة.
الجنة أو الفردوس، كلاهما يصح في ترجمة كلمة آل paraíso الإسبانية، وهي في مشاهدة اليوم حيّ كبير من أحياء مدينة كاراكس التي يبلغ عددها ٣٢. يبلغ عدد سكان هذه المنطقة ١٢٠ الف نسمة، وتتكون حاليا من وحدات سكنية، بالرغم من تزايد أعداد الشركات التجارية في المنطقة في السنوات الأخيرة، وتمتاز المنطقة الشعبية هذه أنها الأقل في معدلات الجريمة والفقر، قياساً بالأحياء المجاورة.

في رحاب مسجد المنطقة، التقينا بالعشرات من أبناء الجالية اللبنانية والعربية، وكان لنا حوارات وأحاديث متنوعة مع كثيرين منهم، ابتدأناه مع بعض اعضاء الهيئة الإدارية للمركز الإسلامي الفنزويلي، وبعض رواد المسجد، وكانت خاتمة المطاف مع الصديق الشيخ عاصم الجراح، ممثل دار الفتوى القادم من لبنان إلى فنزويلا في شهر رمضان المبارك.

العبد

قبل صلوات العشاء والتراويح، التقينا بالسيد مصطفى العبد، من أبناء قرية عين عرب التابعة إدارياً لقضاء راشيا، ومن الشباب الناشطين في امور المسجد والمدرسة الإسلامية التابعة للمركز، ليخبرني أنه كغيره من هذا الجيل، من أبناء الهجرة الرابعة، كان قد هاجر إلى جزيرة كوراساو عام ١٩٩٩م ، قبل مجيئه إلى فنزويلا واستقراره في منطقة “البارائيسو”، وهو يعمل في المجال التجاري منذ وصوله االى العاصمة كاراكس، ويملك محلات فيها.

ثم اجابنا عن أحوال المسجد والجالية بما فحواه، أن المسجد تأسس عام ١٩٦٩م على يد الجالية الفلسطينية المسلمة آنذاك، ورواده من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والفنزويليين معتنقي الإسلام، ومعظم أبناء الجالية هم من بلدات وقرى البقاع الغربي وراشيا، من كامد اللوز وغزة وجب جنين وبعلول والقرعون وعين عرب والرفيد ولالا ومجدل بلهيص، يضاف لهم أبناء بلدة مرج الزهور التابعة جغرافيا لمحافظة الجنوب اللبناني.

هنا يقبل على الصلوات في المسجد أثناء شهر رمضان المبارك ٢٠٠ شخص يوميا وما فوق، منهم حوالي ٤٠ من غير العرب، والعلاقات بيننا جميعا تتسم بالمودة والتراحم؛ والإسلام هنا وسطي معتدل ولا وجود لأحزاب أو حزبيين.

وفي مجال النشاطات التي تقوم فيها اللجنة الادارية للمركز الإسلامي الفنزويلي، اخبرنا السيد مصطفى أنهم يستأجرون أمكنة واسعة كملاعب الرياضة لإقامة الاحتفالات الدينية في عيدي الفطر المبارك والأضحى وفي بعض المناسبات الدينية الهامة، ولديهم صندوق دعم للفقراء والمحتاجين من أبناء هذه البلاد، كما انهم أسسوا مدرسة ملاصقة للمسجد، تدرس المنهج الفنزويلي، وفيها دروس لغة عربية ودين إسلامي بالتأكيد، ويبلغ تعداد تلاميذها ٢٠٠ فرد.

الحاج

بعد الصلوات، التئم شمل المصلين مجدداً في باحة المسجد الخارجية، لمشاركة أبناء بلدة مرج الزهور في عزاء سيدة متوفاة من بلدتهم، وكانت كلمات لإمام المسجد وللشيخ عاصم الجراح، التقيت بعد انفضاض مجلسها بالأخ الصديق الحاج كامل الحاج، من بلدة مرج الزهور، الناشط الإسلامي والاجتماعي المعروف في أوساط جاليات الاغتراب في كولومبيا وفنزويلا، وكان لي معه حديث جاء فيه: أنا من الهجرة الرابعة، من الذين ذهبوا إلى كولومبيا أولا ثم انتقلت منها إلى فنزويلا، وموقعي في التجمع الإسلامي هو مدير العلاقات العامة، هذا المركز الذي تأسس عام ١٩٦٩م. ويشرف على المسجد والمدرسة والمقبرة الإسلامية وعلى مصلّى في مطار كاراكس الدولي. عدد أعضاء اللجنة الادارية للمركز تسعة أعضاء، والرئيس ونائبه غائبان بداعي السفر، أهم نشاطاتنا دعوية اجتماعية ثقافية.

وعن مغتربي “مرج الزهور” أجاب الحاج كامل، أن عددهم في اميركا اللاتينية حوالي ٢٠٠ مغترب يتوزعون بين فنزويلا وكولومبيا وجزيرة كوراساو وبنما.
أما عن الجالية المسلمة، أفادنا انها تعاني من مصاعب كثيرة في تدريس أبنائها اللغة العربية، وهي بحاجة إلى مدرّسين لبنانيين أو سوريين، لأن الأبناء يكادون لا يفهمون اللهجة المصرية، ويتوجه بهذا النداء الملحّ إلى كل من دار الفتوى في لبنان ووزارة التربية والتعليم اللبنانية، وبالرغم ان علاقة المركز الإسلامي الفنزويلي جيدة مع السفارة اللبنانية في كاراكس، ومع باقي السفارات العربية، فلا تستطيع تلك السفارات المساعدة في هذا المضمار.
وتمنى الحاج كامل الحاج في كلمة أخيرة، أن يسعى أبناء لبنان المقيمين إلى حب وطنهم كما يحبه المغتربون، الذين يسعون لبنائه دائما ويخصصون جزءا من أموالهم لبلدهم الأم، ويدعوهم للتأسي بأبناء المهاجر الذين يعملون يدا واحدة بجميع طوائفهم، على أمل أن تنتهي أزمة الوطن سريعا.

المجذوب

بعدها انتقلت الى لقاءات فردية وجماعية مع أبنائنا المغتربين من أبناء منطقة البقاع الغربي وراشيا، وكان لنا احاديث متنوعة بدأناها مع السيد خالد محمد المجذوب من بلدة غزة البقاعية الذي قدم الى فنزويلا عام ١٩٨٩م ، ويعمل في مجال التجارة وعنده مطعم في منطقة ” تشاكاو”، ليخبرنا ان الوضع التجاري في تحسن مستمر، والعمل في قطاع المطاعم جيد، ويتوزع الزبائن بين قلة عربية وأكثرية من غير العرب، أما عن شكوى البعض من الأزمة الاقتصادية فقال أن الفترة الماضية تأرجحت كثيرا بين صعود وهبوط.
وعن مغتربي بلدة غزة وإقبالهم على المساجد في شهر رمضان المبارك أفادنا السيد خالد المجذوب أنهم يؤدون الصلوات متوزعين بين مسجدي الإبراهيمي والفردوس، وعددهم يتجاوز ألف شخص، كلهم من دفعة الهجرة الحديثة، ونسبة العائدين حديثاً من لبنان تتجاوز نصف عددهم الحالي، والإسلام عندهم دين السلام والرحمة، واعتدالهم واضح لا مكان عندهم للمتطرفين أو الغلاة.

نصرالدين

ثم كان لقاؤنا التالي مع السيد نضال نصرالدين، برفقة بعض أقاربه، ليحدثنا عن أبناء كامد اللوز المغتربين في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، فيقول: كانت هجرتي الثانية من مدينة مايكاو الكولومبية الحدودية إلى هنا عام ٢٠٠٥م، حيث أعمل في التجارة العامة منذ ذلك الحين، في منطقة المدافن Cementerio، في محيط يغلب عليه الوجود الاغترابي اللبناني المسلم.

ويتجاوز تعداد أبناء كامد اللوز في كاراكاس المائة وخمسين شخصاً، فيهم حوالي مائة شاب يعملون في التجارة، وهم من كافة العائلات المعروفة في البلدة مثل: طه، ديشوم، واكد، غندور، تغلبي، حمود، نصر الدين، عنقا، فارس، أبوهميا، الملط، شعبان، الزغبي، عبد الرحيم.

نحن نلتقي في المناسبات العامة، الدينية منها بشكل خاص، والزيارات دائمة بيننا ولا قطيعة أبدا؛ ويمتاز شباب بلدتنا بالتعاون ومد يد المساعدة للمحتاج منهم هنا أو في لبنان.

أما عن التواجد في فنزويلا فهو يبدأ من ماراكيبو غربا امتدادا الى فالنسيا وبونتوفيهو ويصل الى جزيرة مارغريتا شرقا، والعدد الاجمالي لا يتعدى ٥٠٠ شخص، أكثرهم موجود في “المركادو غواهيرو” في مدينة فالنسيا.

وهنا، في شهر رمضان المبارك، يلتقي شبابنا في رحاب مسجد فنزويلا الأول، مسجد المركز الإسلامي في منطقة Paraíso، لاداء صلوات العشاء والتراويح جماعة، مع باقي ابناء منطقة البقاع الغربي.

الجراح

ثم كان ختام اللقاءات مع الصديق الشيخ عاصم الجراح ممثل دار الفتوى اللبنانية وأمين سرها، والعالم الخبير بأمور المغتربين المسلمين في اميركا اللاتينية عامة وفي فنزويلا خاصة؛ وكان لنا معه حديث متشعب تناول فيه هموم الاغتراب وشجونه.

ومما أفادنا به، أن وجود المسلمين في فنزويلا مر في مراحل متعددة، ابتدأت بقدوم مسلمين من دول الجوار الفنزويلي، من ترينيداد وتوباغو ومن غويانا، ثم كان المغتربون الفلسطينيون أول من قدم اليها من العرب، تبعهم اللبنانيون والسوريون، ثم تلتهم بقية الجنسيات من مصر والجزائر والمغرب والأردن.

يتجاوز عدد المغتربين العرب في فنزويلا المليون شخص معظمهم من المسيحيين، من كافة الهجرات، وأقدمهم جاء قبل عام ١٩٠٠م، بينما لا يزيد عدد المغتربين منهم عن ٥٠ الف، أسس أبناء الجالية الفلسطينية مسجد المركز الإسلامي عام ١٩٦٩م، وبعده بني مسجد القدس الذي ساهم في بنائه السفير السعودي آنذاك السيد بكر خميّس.

أما عن حركة الدعوة الإسلامية في فنزويلا، فكانت متابعة من الأزهر الشريف، عبر مبتعثين دائمين لمدة ثلاث سنوات لكل مبتعث، يقومون بمهام إمامة المساجد، والدعوة في اوساط المغتربين المسلمين، وفي اوساط الشعب الفنزويلي لمن يريد التقرب من الدين الإسلامي. وهم متميزون بالوسطية والاعتدال، لأن منهجنا قائم على التسامح والمحبة بعيدا عن الافراط والتفريط، ولا مكان بيننا للتطرف الذي لم يوجد إطلاقا في تاريخ مهاجرينا إلى فنزويلا.

المعاناة الاغترابية الكبرى:
تطرق الشيخ عاصم الجراح إلى مشكلة تكاد تكون مستعصية لا حل لها، وهي معاناة المغتربين وأبنائهم من عدم تحقيق المراكز الاسلامية أهدافها المرجوة.

فلا وجود للخبرات والاختصاصات والكفاءات في من يتحملون المسؤوليات الادارية، ثم عدم اتقان الدعاة للغة الإسبانية ما يزيد الفجوة بينهم وبين الأجيال الجديدة، وفي وقت نشكر فيه وزارة الأوقاف المصرية على اهتمامها المميز بأمور المغتربين المسلمين في فنزويلا، نأسف على عدم اهتمام أبناء جاليتنا بإحضار مشايخ ودعاة ومدرسين يتقنون اللغتين العربية والإسبانية، متذرعين بأسباب مادية غير مقنعة!!.

مدارسنا لم تؤت ثمارا حيث يغيب عنها المدير المختص، فهي بحاجة إلى اختصاصيين في علم النفس التربوي وفي علوم الادارة المدرسية الحديثة، ناهيك عن الرواتب الزهيدة التي تعرض عليهم، بينما نسمع ونرى امكانات كبيرة وهائلة عند بعض المغتربين المسلمين تقتصر على النشاطات التجارية العائلية والخاصة في معظم الأحيان، وتكاد لا تهتم بأمور المسلمين عامة، الاّ ما ندر.

ثم أنهى الشيخ عاصم حديثه بكلمة موجهة إلى المسلمين البقاعيين فقال: ” فنزويلا بلد محترم ومضياف، حقوقنا كمسلمين فيه محفوظة من جهة الحكومة والشعب، ووجودنا في هذا البلد صار أساسيا ثابتا ولم يعد عابرا كما كان يعتقد البعض ؛ لذلك ينبغي أن تؤسسوا لأبنائكم من الآن فصاعدا، إلى مئات السنين، ورسالة الإسلام التي عمرها حوالي ١٥٠٠ سنة هي بين يديكم ، فلا يجوز تضييعها.

اعتمدوا على الله أولا ثم على أنفسكم في ادارة المراكز الإسلامية والمدارس واجعلوها منارة علم وثقافة، واحضروا أهل العلم والاختصاص والخبرة لإدارتها، ثم تجاوروا في السكن واعمروا المساجد تربحوا أنفسكم وأبناءكم.

الحلقة الثالثة من مشاهدات رمضانية اكملناها في منطقة الفردوس في كاراكاس عاصمة فنزويلا، على أمل العودة لاستكمال ما فاتنا مع ناشطين من أبناء الجالية المسلمة، والفلسطينيين منهم على وجه الخصوص.

شاهد أيضاً

نيكولا دبس يطلق “لوحة فنية”

  أطلق الفنان نيكولا دبس أحدث أعماله الغنائية بعنوان “لوحة فنية”، في تجربة جديدة تحمل …