قصة جرّة الملك

إعداد علي منير مزنر

يروى أن ملكاً في الزمن الغابر كان يتفقد أرجاء مملكته عندما مر على قرية و وجد أهلها يشربون من الساقية مباشرة، فٲمر بوضع (جرة كبيرة واسعة الفم) ليشربوا منها ثم مضى ليكمل باقي جولته.

و تطبيقاً لتعليمات جلالة الملك، أمر كبير الوزراء فوراً بشـراء جرّة و وضعها على جانب الساقية ليشرب منها الناس.

و بعد أن وصلت الجرّة إلى المكان، قال أحد الحاشية: هذه الجرٌة مال عام و عهدة حكومية، لذلك لا بد من عسكري يقوم بحراستها، و كذلك لابد من عامل ليملأها كلما أصبحت فارغة.
و تم شراء محزم و كند للعسكري
و بما أنه ليس معقولاً أن يبقى عسكري واحد و عامل واحد يعملان طول اليوم و طوال الأسبوع، تم تعيين ٣ عساكر و ٣ عمال للعمل بنظام المناوبة (٨ ساعات يومياً لكل حارس و لكل عامل) لحراسة و ملء الجرّة !!

ثم نهض رجل آخر من مرافقي الملك وقال: هذه الجرّة تحتاج إلى حمالة و غطاء و كوز، لذا لا بد من تعيين مدير فني مختص في الصيانة لعمل الحمالة و الغطاء و الكوز.

وهنا بادر شاب آخر “خبير متعمق صاحب نظره ثاقبة”، و قال: طيب و من ذا الذي ينظم حسابات عمل الجرة و رواتب العاملين فيه؟ لا بد من إنشاء إدارة مالية يرأسها: “مدير تنفيذي للشؤون المالية” و تعيين محاسبين بها ليصرف للموظفين رواتبهم.

ثم جاء بعده من يقول: طيب، و من ذا الذي يضمن أن العمال الموكلين بالجرة سيعملون بانتظام؟ فتم إنشاء إدارة لشؤون العاملين و عمل دفاتر حضور و انصراف للموظفين و عين عليه مدير عام تنفيذي للموارد البشرية.

ثم أضاف موظف كبير آخر: طيب، لو حصلت تجاوزات أو منازعات بين العمال، فمن سيفصل بينهم لحسن سير عمل الجرة و سقاية الناس؟ أرى أنه لا بد من إنشاء إدارة شؤون قانونية للتحقيق مع المخالفين و الفصل بين المتنازعين.

و بعد أن تم تكوين كل هذه الإدارات، جاء موظف موقر و صاحب شهادات عليا و خبرات أجنبية و قال: لا يجوز ترك الموظفين يتصرفون على هواهم، فمن سيرأس كل هؤلاء؟ الأمر يتطلب تعيين موظف كبير ليدير العمل و العمال و يرعى مصالحهم.

و بعد مرور سنة، كان الملك يمر كالعادة متفقداً ، فوجد مبنا فخماً مضاءاً بأنوارٍ كثيرة و تعلوه لافتة كبيرة مكتوب عليها الإدارة العامة لشؤون الجرّة

و وجد في المبنى غرفاً و قاعات اجتماعات و مكاتب كثيرة، كما وجد رجلاً مهيباً أشيب الشعر يجلس على مكتب كبير و أمامه لافته كتب عليها “الأستاذ الدكتور الخبير الدولي المدير العام التنفيذي لشـؤون السواقي و الجرّة و المياه

فتساءل الملك مندهشاً عن سر هذا المبنى و هذه الإدارة الغريبة التي لم يسمع بها من قبل…

فأجابه المرافقون :
يا صاحب الجلالة، هذا المبنى الجديد هو للعناية بمصالح البلاد و العباد لتسيير مرفق عام هام خاص بشؤون الجرّة الذي أمرت بها للناس في العام الماضي!

ذهب الملك لتفقد الجرة، فكانت المفاجأة أن وجدها فارغةً و مكسورةً و في داخلها “فأر ميت” و بجانبها عسكري و عامل نائمين، و بجانبهما لافتة مكتوب عليها *”تبرعوا لإصلاح الجرة،
مع تحيات الإدارة العامة لشؤون الجرة و السواقي و المياه”..
بين جرة الملك وفساد المزرعة ضاعت الطاسة..
فبين حراس الوطن مع لغز المزرعة
لسقف الدولار الرمادي مع غيوم المرفا..
لا تبحثوا عن حقيقة جلاوزة السلطان.. فنحنوا على مسافة السكة والحقيقه من بعضنا في الوقت ذاته..
هكذا تتم سرقة الشعوب بحجة الجرة..

شاهد أيضاً

عدم الالتفات الى الجنوب عجز أم تواطوء…؟

  وهل التباين الاميركي – الاسرائيلي حقيقة أم لعبة…؟ *بقلم د. علي الشيخ محمد يعقوب* …