قصص لرجال دولة

حسام الدين خلاصي

■ في شتاء سنة 1985 نفذ مخزون سوريا من القمح والباقي لايكفي اكثر من اسبوعين، اجتمعت الحكومه لتدارك هذه المصيبه واقترح وقتها الراحل الدكتور محمد العمادي ان يتم خلط نسبة 30٪ من الشعير مع القمح ليكفي المخزون حوالي الشهر ريثما يحاول تدارك الكارثه؟.
■ اتصل العمادي بصديقه رجل الأعمال السوري محمد عساف المقيم في اميركا وهو احد اكبر ثلاثة مصدري الحبوب على مستوى العالم وطلب منه شحنة اسعافيه لسوريا واذا بالإمكان ان لاتتأخر اكثر من شهر؟. كانت له هناك شحنه في البحر في طريقها الى أفريقيا تم تحويلها لسوريا ووصلت بالفعل بعد 18 يوماً ثم توالت الشحنات بعدها وانتهت الازمه على خير.
■هذا الموضوع شكّل هاجساً للراحل القائد حافظ الأسد فأطلق مشروع ضخم تحت عنوان “الأمن الغذائي” اختار له الأسد الوزير محمد غباش مسؤولاً عنه واستثنى المشروع ادارياً ومالياً من اعمال الحكومه وبات المشروع بعهدته شخصياً (هذا الاجراء كان يعمد اليه الأسد كلما اطلق مشروعاً استراتيجياً مهماً كالكهرباء والسدود ومعامل الدفاع وغيرها لأن المشروع الذي تتبناه الحكومه لن يرى النور بأضعاف مدة إنجازه، احد المشافي الوطنية استغرق ربع قرن وأربع حكومات ليرى النور!!.).
■ لن اذكر تفاصيل المشروع الضخم فعلاً لكن باختصار وفّر للمزارعين كل مايحتاجوه من مشاريع ري حتى ان مشروع قناة الجرّ الرابعة في  اوصل ماء الفرات إلى  ادلب!. طبعاً البذور المحسنة  والسماد والاليات الزراعية  وصوامع الحبوب في كل محافظة فضلاً عن القروض للمزارعين واصحاب البيوت البلاستيكية بفوائد شبه صفرية وعندما تجدب المواسم بسبب الجفاف وغيرها كانت تدوّر القروض للمواسم القادمة  (اعرف مزارعاً من القامشلي استغرق 11 عاماً ليسدد مبلغ 155 الف من اصل 300 الف اقترضها، طبعاً نتحدث هنا عما يعادل 3000 دولار اليوم).
■ المشروع تم إنجازه بالكامل بعد خمس سنوات لكن بعد ثلاث سنوات بدأت آثاره تظهر على شكل تلال من الخضرة  والفواكه في مواسمها والأسعار بقروش حتى البندورة والخيار وغيرها لم تنقطع شتاءً بفضل البيوت البلاستيكيه المدعومة  بالمازوت والقروض والسماد!. الرواتب لاشك كانت غير كافية لكن لا احد يجرؤ ان يقول انا جائع ومحروم؟. كل الفواكه من كرز ومشمش ودراق وتفاح كانت بمتناول الجميع ولايخلو منزل من المخللات والمربيات بأنواعها والمكدوس (هناك طرفة عن المكدوس سأرويها في نهاية المقالة) خصوصاً ان مادة السكر كانت بالبطاقه التموينية  بقروش حرفياً؟!.
■اما عن القمح فكان لدى سوريا مخزون يكفيها لخمس سنوات دائماً، ارسلنا منه دفعة إنقاذية

لتونس عام 89 بعد موجة جفاف وجراد اباد محصولهم؟.
■ الخبز ووفرته حدث ولاحرج حتى ان بعض مربي المواشي كانوا يغذوها بالخبز المجفف وقد ينتقد البعض هذا البذخ ولكن ماهمك ان كان يوفر لك اللحوم والفروج والبيض بأسعار مقبولة ؟.
■الطيب الذكر المرحوم محمد ديب دعبول ابو سليم الذي شغل منصب مدير مكتب الرئيس الراحل لاربعين عاماً يروي هذه القصة : في عام 92 طلب وزير المالية مقابلة الرئيس، دخل وفي يده ملف كبير وضعه على طاولة الرئيس فطلب منه الرئيس ايجاز مافيه وانه سيطلع عليه لاحقاً فقال انه اجرى دراسة دقيقه لما يكلفه انتاج الطن الواحد من القمح في سوريا وتبين معه انه يزيد بنسبة 40٪ تقريباً عن السعر العالمي واننا اذا قمنا باستيراد نفس الكميه المنتجه سنوياً سنوفر على الخزينه مبلغ مليار ومائة مليون ليره تقريباً؟. اجابه الرئيس هذا يعني ان علينا ان نتوسع اكثر في زراعة القمح!.
بُهت الوزير وقال لم افهم قصدكم سيدي الرئيس؟.
أجابه الرئيس الراحل : عندما يصبح للقمح بورصة فهذا يعني ان عليك ان تحافظ عليه وتطور انتاجه لا ان تستغني عن زراعته لتوفر مالاً، الإقتصاد امن قبل يكون مجرد مال، هناك امران عليك امتلاكهم الغذاء والسلاح، حققنا الأول ونسعى للثاني!.
.
——-
الطرفة عن المكدوس:
عندي صديق راح لمصر بأول الحرب، مرتو بدها تعمل مكدوس مع العلم انو الباذنجان بمصر رخيص ومتوفر بكل انواعه بينما الجوز بالنار ويباع بال 100 او 200 غرام، المهم اشترى الباذنجان وراح ليشتري الجوز، لما طلب من البياع اتنين كيلو جوز، البياع استغرب وسأله: حتعمل بيهم ايه لامؤاخذه؟. شرحلو صديقي عن المكدوس وانو منحشيه جوز وفليفله ومنختمه بزيت الزيتون؟.
البياع صفن شوي وقال: مادام قادرين تحطو الجوز في الباتنجان عاملين ثوره ليه؟.

شاهد أيضاً

عدم الالتفات الى الجنوب عجز أم تواطوء…؟

  وهل التباين الاميركي – الاسرائيلي حقيقة أم لعبة…؟ *بقلم د. علي الشيخ محمد يعقوب* …