د. سلمان صبيحة
عاد بالأمس “ابو محمد ” من العاصمة مع حفيده إلى القرية، ومباشرة جاء الأقرباء والجيران للإطمئنان عليهما وخاصة أن “ابو محمد” وجه معروف في المنطقة وبعد السلام والتحية وتبادل المجاملات في مثل هذه المناسبات سأل المختار صاحبه ” ابو محمد ” عن مجريات سفرته إلى العاصمة وهل تمت الأمور بالشكل الجيد ولاسيما أن له باع طويل وخبرة كبيرة في التعامل مع الموظفبن في الدوائر الحكومية بكافة أشكالهم وألوانهم ونفسياتهم (( ابتداء اً من أيام ماكان الموظفون يرتدون الكم في العمل مروراً بالموظفين العصمليين وصولاَ إلى الموظفين البيروقراطين والذين يعملون على طريقة حكلي لحكلك … الخ. )) . بدأ ” ابو محمد ” يروي لضيوفه “بحماس وبطريقته الشيقة ” كل تفاصيل زيارته للعاصمة وخاصة ماجرى معه أثناء دخوله إلى إحدى دوائر القطاع العام من أجل تسيير المعاملة لحفيده ، حيث لفت انتباهه بداية ماهو مكتوب على باب مكتب المدير ومن شدة إعجابه بالعبارة صورها على جهازه الخليوي والتي تقول : ” أخي المواطن …اهلاً وسهلاٌ بكم …نحن لم نعتد أن تكون أبوابنا مغلقة ، لكن بسبب الضجيج والبرد اضطررنا إلى ذلك…نحن في الداخل …تفضلوا”،وتابع ” أبو محمد” قائلا ً:
(( عندما دخلنا إلى المكتب قام المدير مباشرة من مكانه ورحب بنا بوجه بشوش ،وبكل احترام وتقدير طلب منا الجلوس ، وقبل ان يسألنا عن حاجتنا ، قام هو شخصياٌ بتقديم القهوة” المرة” لنا ،وبعد ذلك سألنا عما نريد وبعد أن فهم الموضوع ضغط على ” زر الجرس ” فدخلت السكرتيره وطلب منها أن تأخذ حفيدي إلى رئيس الدائرة المعني بالموضوع ليقدم عنده الطلب اللازم ويقوم بالإجراءات وفق القوانين والتعليمات الناظمة ، وبعد دقائق معدودات كانت أمورنا جاهزة تماماٌ وسط دهشة كبيرة أصبت بها وكأني في حلم ،ومن شدة سعادتي وإعجابي بهذا المدير، قمت بشكل لاإرادي”بسلامة فهمكم وبتعرفوا بس أبو محمد يتحمس شو ممكن يعمل، وكما يقول المثل اللي بشوفك بعين لازم تشوفو بالعينتين”، ويلمح البصر مددت يدي إلى جيبي وأخرجت ماتيسر من النقود لأعطيها للمدير المضياف والشهم وهنا كانت صدمتي و”خجلتي ” قوية جداٌ، لأن المدير لم يقبل أن يأخذ مني أي شيء ، بل بالعكس أبدى امتعاضه وانزعاجه من تصرفي ، لكنه اعتذر مني بكل لباقة وقال”ياحجي” :
لماذا تفعل ذلك؟ فنحن موجودون هنا لخدمتكم وما نقوم به هو واجبنا وهذا من صلب عملنا وليس لنا فيه “منية” او فضل لاسمح الله. تابع “أبو محمد” سرد القصة للضيوف قائلاً :
لقد شعرت بالخجل والعرق أخذ يتصبب مني وحرارتي ارتفعت وهبط ضغطي، لأن هذا المدير أهانني بكبريائه وتواضعه ،وصفعني صفعة هزت كياني باحترامه وتقديره وأدبه وأخلاقه بإختصار ، هذا المدير “وهنا تلعثم ابو محمد ” لقنني درساً في أخر أيام عمري لن أنساه أبداً ،بحسن استقباله ولباقته ، وأدركت كم كان هو كبير بتصرفه وتعامله مع الموقف وكم كنت صغيراً بحماقتي…
صاح الحضور بتعجب واندهاش : “معقول في هذه الأيام وهذه الظروف وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة وضعف الرواتب والأجور، يوجد مدير أو حتى موظف بهذه العقلية ولا يقبل ثمن فنجان قهوة أوحتى هدية بسيطة أو اكرامية،شيئ لايصدق .”
تابع “ابو محمد “:
“والله ياشباب “،بعد ان أدركت أن هذا الرجل يختلف عن كل من قابلتهم في حياتي من موظفين وإداريين ،قسما.ً بالله دمعت عيناي فرحاً وتفاؤلا” وبأن الدنيا مازالت بخير ، وطلبت منه أن لايزعل مني وأن يقدر موقفي وأن يسامحني، وبالفعل فقد أكد لي بأنه يقدر موقفي وهو يتفهم قصدي وبأن تصرفي نابع من حسن نيتي ،وأخبرني بأنه غير منزعج مني ، كونه يراجعه العديد من المواطنين وغالباً مايتعرض لمثل هذه المواقف ، قلت له وأنا “مرتبك ” :
بارك الله فبك يابني والله ، الحقيقة أذهلتنا بتعاملك الراقي، أنا ماقصدت الإساءة لكم وانت لم تطلب مني شيئاً ، لكني فعلت ذلك كوني أعرف أن رواتبكم لاتكفي وماقدمته لك ماهو إلا هدية بسيطة وكنوع من الشكر والتقدير..
تابع “ابو محمد” كلامه للحاضرين ،” الذين يسمعونه بذهول فاتحين أفواههم وعيونهم ومحدقين بنظرهم نحوه ليعرفوا بقية الحكاية” ،قائلاً لهم : هل تعرفون ماذا أجابني المدير ياسادة ؟؟؟.
قالوا كلهم بصوت واحد “وعلامات الدهشة تعلو وجوههم ” : ماذا أجابك ؟.
قال “ابو محمد” :
أجابني بالحرف الواحد وبلهجة الواثق من نفسه :
” اسماع ياابو محمد منيح ،
الشرفاء والمخلصين والوطنين ببلدنا كتار كتير وبالنسبة لرواتبنا هذا بحث آخر ، طبعاً عدم المؤاخذة انت وأمثالك من المراجعين مادخلكم فيها وليس ذنبكم أو مشكلتكم قلة رواتبنا أو ضعفها وليس المطلوب منكم نعويضها لنا من جيوبكم الخاصة ولن نسمح لكم استخدامها كحجة تحت أي ظرف أو تبريرها تحت أي مسمى
” هدية ، إكرامية ، حلوان…الخ “،وذلك حفاظاً على كرامتنا وكرامة عملنا…إطمئن ياحجي المعنيين بالأمر يدرسون تحسين الرواتب والأجور وبالتأكيد سيعالجون هذا الموضوع ويجدون الحل المناسب ، وعلى كل الأحوال
شكراً لاهتمامك .
“وحياة الله ياشباب شيء لايصدق ” ، يضيف ابو محمد ، فبعد أن أعتذرت مرة أخرى وشكرت السيد المدير على نبل أخلاقه ،خرجت من المكتب غير مصدق ماجرى معي ، لكني فجأة ومن عند الباب رجعت مرة أخرى وطلبت من المدير أن بسمح لي بأن أقول له كلمة أخيرة واحدة فقط …
قال لي مستغربا” : اهلاً وسهلاً يا أبو محمد تفضل قل ماتريد ،ولا يهمك..
قلت له : هل تسمح لي أن أحضنك يابني ” وحضنته بدون أخذ موافقته ، وعينايا تدمعان.. “وقلت له : الله يوفقك ياابني وبحفظك ويحميك انت وعيلتك ويبعد عنك ولاد الحرام… “.
هنا ضحك المدير وقال : ((حياك الله يا
“أبو مجمد.”… دعاءك هذا لي ولعائلتي يكفيني وهو افضل شيء بمكن أن تقدمه لي…شكراً لكم يا حجي )).
وختم الحاج أبو محمد قصته لأصدقائه وأقاربه قائلاً : “وهاك صار معي ” .
قال أحد الحضور : (( انت متأكد ياحجي انه ” هاك” صار معاك ولا تخيلتها تخيل ولا شفت هالحكاية بشي فيلم سينما ،لأني بذكر أنه فيه هاك فيلم بنفس الإسم، لأنه اللي عم تحكيه يا”أبو محمد “شي لايصدق في هذا الزمان … والله شيء بلا مؤاخاذة متل الخيال…)).
رد الحجي على المتحدث قائلا ً: يا “أبو إحمد “، معك حق ماتصدق وشايف كأنه الموضوع التبس “علاك “، الفيلم اللي عم تحكي عنه معروف ومشهور كتير اسمه “بطل من هذا الزمان “، لكن انا الفيلم اللي صار معي وعم احكيلكون عنه اسمه ” مدير من هذا الزمان “وهاد فيلم حقيقي أنا عشته ،.قسماً بالله مانه لاحلم ولا فيلم خيال علمي….”ولك ياعمي لاش ماعم تصدقوني”…وتابع “أبو محمد “، موجهاً كلامه للجميع وقال بنبرة عالية تقطع الشك باليقين : نعم
هذا المدير هو مدير من هذا الزمان “مدير حقيقي، والله يكتر من أمثاله” وتحية له ولكل إنسان صاحب ضمير حي صامد وصابر ويعمل بكل شرف وإخلاص .
د.سلمان صبيحة 9/11/2022.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
