
السواء والاختلاف وزمن الكورونا” كتاب للأستاذة الجامعية الدكتورة بهاء يحيى، التي سألت في مقدمة كتابها:
“أو ليس ما أكتبه جدير بالقراءة؟؟؟”
بلى يا دكتورة بهاء، ما كتبته جدير وجدير جداً بالقراءة..
لماذا؟
لأنك أستمديتي حبرك من نبض القلب، وكانت حروفك دعاء صلاة. ولأنك ببوحك أخترقتي الروح ورفرفتي في فضاءات إنسانيتنا بإتزان الصبر وحولتي مشكلتك إلى إنتصار لم يكن لك شرف نيله لولا مجيء أميرتك “زينب” لتجعل ما تعلمتيه وتخصصتي به وما تدرسينه لطلابك فعل مقدس زاد من قدرتك وقدراتك، فأنتصرتي في الميدان ونلت الوسام الأعلى، مما جعلك في رتبة رفيعة ورفيعة جداً على الأقل أمام نفسك، رغم كل العذابات والآلام التي صهرتك، فكشفت عن نفاسة جوهرك، وكنت كل البهاء، كنت بهاء الأم الأمثولة الجديرة بالإحترام..
لن أكتب عن كتابك “السواء والاختلاف وزمن الكورونا” لأنني بصراحة عاجزة أن ألملم مشاعري المبعثرة، وبالتالي أترك للقارئء أن يكتشف عطمة قدرات الإنسان عندما يكون إنساناً بالمعنى الرسالة الذي جاء إلى الجياة من أجل تحقيقها، فإما الفشل وإما النجاح الذي أنعم الله به عليك، فكانت تجربتك وكان كتابك الذي كلما قرأته أجد فيه مساحة جديدة من البلاغة والعفوية والمعرفة والثقافة والإنسانية المكللة بالعلم والصبر. التي سيلمسها القارئ جلية في تحفتك “السواء والاختلاف وزمن الكورونا“…
فاطمة فقيه
الحلقة التاسعة:

وماذا بعد؟!!!
قرّرت ان أوقف الكتابة، ليس لأنّ تفاصيل علاقتي مع ابنتي المختلفة قد انتهيت من سردها، فجعبتي لا تزال ملأى بالكثير من مظاهر هذه العلاقة التي تعكس خفايا النفس البشرية وتناقضاتها، بل لأنني لا أريد ان تعايش كتابتي هذه جائحة أخرى بعد جائحات المصارف والكورونا والزلزال الأخير، لا أريد ان اكون شاهدة على مصيبة اخرى وأكتب عن انعكاساتها علينا، فالتفاصيل الخاصة والدقيقة تصبح نقطة في بحر الأهوال التي تعترينا، وصدماتنا الداخلية نخجل من البوح بأسرارها تجاه الصدمات الخارجية الهوجاء التي تجتاح كلّ خاص وعام…
فعذرا يا ابنتي، كنت أنت البداية ولكنّك لن تكوني النهاية، فالوطن المثخن بجروحاته والاختلاف بين مواطنيه قضى على كل مظهر سوّي في هذه الحياة التي نحياها، فالغبار يحجب الرؤيا، وانعدام التوازن يجعل الخيط الفاصل بين البياض والسّواد غير مرئي بل خيال حلم…
ابنتي معي، وابني حمل حقيبته وسافر، بعد كلّ ما حدث وبعد هذه السنة الملأى بالانتكاسات والخسائر على كل الأصعدة، اختلطت الأمور علينا جميعا، فالآخر لم يعد مرآة الأنا، هذه المرآة تشظّت إلى أجزاء كثيرة وأحالت الرؤيا إلى شبه سراب…
الأنا، الآخر، السواء، الاختلاف كلها مفاهيم هلامية يصعب التكمّش بها، عندما يصيبنا العبث والانسحاب من الحياة…
ابنتي هذه الطفلة المختلفة التي لا تدرك كنه كل هذه التغييرات من حولنا، هي التي تنتشلني من كل هذا الخراب، هي التي تترك فسحة للبياض والأمل، فالحياة بالنسبة لها لا تزال تزدان بالبساطة والفرح والمواعيد وبترنيمة موسيقية وصوت شجيّ كصوت فيروز التي تدندن بعضاً من اغانيها، تلك الأغاني التي تعدنا بأحلى الصباحات، بالورد والسهر والقمر، واللقاءات في وطن كان جميلا وربما سيبقى…
أنا زينب صاحبة «متلازمة الحب»، ولدت بشكل مختلف، تشابكت الصّبغيات في تكويني لسبب لا أزال أجهله، فكانت النتيجة ولادة على هامش السواء… ربما لا أحسّ بالاختلاف عن غيري وبماذا هم يتميّزون، قد يكون تفكيري ضعيفاً وقدراتي العقلية محدودة ولكن ما همّ… فأنا انسانة ملأى بالحب والحنان، لا تفارق الابتسامة وجهي، البغض لا يعرف طريقه إلى قلبي، احبّ كل الناس مهما قالوا عني، لا احبّ الخلافات وأخاف الأصوات العالية، سماع الموسيقى يؤنسني، والرّقص هو ايقاع خطواتي ومحرّر طاقاتي، رفاقي هم دنياي، وأهلي هم جنّتي، حياتي هي مسرح من الاختبارات والأدوار…
أنا رفيقة أمّي، فهي الأحلى والأغلى في نظري، هي مفتاحي للحياة ورئتي التي أتنفّس من خلالها، ربما أبكيتها عند ولادتي وأتعبتها في مسيرتي دون قصد أو دراية، ولكنني الآن وهنا، أنا رهن اشارتها، أضمّها بشدّة إلى صدري، أداعب خصلات شعرها، ألتصق بها التصاقاً لا فكاك منه، أُشبع وجنتيها بالقبلات ويديها، وتمنعني من تقبيل قدميها!!! نعم قدميها… عندما حاولت ذلك لأول مرة بكت امي وأنّبتني، وحاولت افهامي أنّ انحناءاتي لا تجوز لأحد حتى لها… لم أفهم ولا أريد ان أفهم، وسأبقى أقبّلها، يديها، وجنتيها، رأسها وحتى قدميها، نعم أوليست الجنّة تحت أقدام الأمهات؟؟؟ أقدامها هي…أمّي…ألتي منحتني فسحة حياة، أخذت بيدي وأنارت لي الدرب، جعلتني المحور في حياتها، أشعرتني بالتميّز وليس الاختلاف، أمّي جنّتي ألتي أحسد عليها…
حسنا يا ابنتي، قلت ما لديك، فدعيني أكمل الباقي… في مراجعة لما كتبت، وأنا في الحجر المنزلي الأصعب وبعد ان بدأ الوباء يفتك بالبعيد والقريب، وبعد ان أصبح الموت يدقّ أبواب الجميع، وبعد ان استحوذ الرّعب من هذا الوباء على كافة مفاصل حياتنا، وانزوينا في منازلنا نحاول لملمة ذواتنا واسترجاع ذاكرتنا، هذا الوضع الذي يدوم منذ حوالى اكثر من سنة، هو الوقت ذاته الذي قرّرت فيه الشروع بالكتابة، اذ منذ حوالى السنة أو أكثر قرّرت استجماع قواي وذاكرتي لخوض غمارالكتابة عن تجربة شخصية لمشاركتها مع الآخرين، أهالي الأطفال الأسوياء من جهة والذين يشاركونني وضعيات مشابهة من جهة اخرى، ولم أكن أدرك حينها أنّ هذه الكتابة ستصادفها مطبّات شتّى ما كانت لتخطر على البال…
فمع الشروع بالكتابة كان واقعنا اللبناني قد اهتزّت دعائمه نتيجة الحراك الشّعبي الذي فجّر الاحتقانات الكامنة، وفضح كل المرافق، وزرع الأمل في التغيير والتجديد لبناء وطن على أسس جديدة، عادلة، نزيهة، نظيفة لولا أن… لولا ان تزايدت الاتهامات، وتشابكت التّدخلات، وطغت المزايدات وكثر الحديث عن وشوشات السفارات… في وقت كنّا نشهد الأنهيار يزداد يوما بعد يوم، وخاصة الانهيار الاقتصادي-المالي والذي سمح للمصارف بالانقضاض على أموال المودعين، والامعان في اذلالهم لسحب أموالهم في مشهد غير مألوف وغير منطقي وغير سويّ ايضا… وطن ينهار أمام أنظارنا وبدرجات قياسية يصعب معها التقاط النفس لمجاراة سقوطه، هذا النفس الذي صرنا نبحث عنه وكما يقال بـ«السراج والفتيلة» بعد ان حلّ هذا الوباء- التّاجي ليتوّج أزماتنا ويكشف عورات بلدنا، هذا البلد الذي ينوء تحت عجز سياسات قادته وزعمائه، الذين عاثوا فسادا على مدى عقود وأوصلوا الأمانة إلى قعر الهاوية، فكيف يمكن لهذا المواطن اللبناني ان يحافظ على صلابته وقدرته على التحمل، هذه القدرة التي عصف بها انفجار 4 آب 2020 فأصاب منها مقتلا وأصبحت هباءا منثورا…
كيف يمكن لهذا الانسان اللبناني السوّي ان يتحمّل كل ما حلّ به وفي فترة زمنية قياسية، دون ان يتزعزع كيانه، وتفتك به الأمراض الجسدية والنفسية لتحوّله إلى شخص آخر… شخص محبط، مكتئب، منسحب، معتمد وربما متخلّف؟!؟ أهذا هو المطلوب؟ اشهار تخلّفنا والعودة بنا إلى غياهب العصور؟ تباً لمن يحاول فعل ذلك بنا، لمن يحاول وأد الشعلة في داخلنا، لمن يحاول قتل انسانيتنا والعبث بأخلاقياتنا…
قادرون؟ نحن حتما قادرون ويجب ان نكون كذلك، ففي نفوسنا بذور الخير والأمل والتفاؤل، بحاجة فقط لغلالة ماء صافية لتعيد الحياة إلى مجاريها، لإعادة ما انكسر في نفوسنا وقلوبنا وممتلكاتنا…
نعم، كلّ هذه المحطات الصادمة اعترضت مسيرة كتابتي، وجعلتني أتوقف قسرا متسائلة عن جدوى ما أكتب وسط هذا الكمّ من المصائب والخراب الذي يحيط بنا…
قد تشكّل الكتابة وسيلة علاجية لاسقاط ما في الداخل من مكنونات ومكبوتات، لاعادة التوازن ما بين الجوّانيّة والبرّانيّة، للتشارك مع الآخر في تجربة ذاتية تركت بصمتها على الأنا، وعلى تفاعل هذه الأنا مع المحيط والآخرين. فيا أيّها الآخر السّوي، لن تدرك ربما ماهيّة الاختلاف ما لم تعايش واقعه، ما لم تكن على تماس مع أشخاصه، ما لم تختبر ظروفهم ويومياتهم، ما لم تعشعش في قلوبهم الكبيرة، ما لم تشاركهم ابتساماتهم العريضة، ما لم تدخل في ثنايا أدمغتهم البسيطة، لتعرف كيف يفكرون وكيف يتصرفون وكيف يرسمون لنا البدايات والنهايات…
معها، تغيّرت معالم الحياة وتغيرت النظرة إلى الحياة، فما بعد ولادتها ليس أبدا كما قبل، هذا المفهوم الما قبل والما بعد كم صرنا نسمعه مع جائحة كورونا التي ضربت الكرة الأرضية، وغيّرت كل الموازين، وطالت كل الشعوب وصار الحجر العنوان العريض لليوميات؛ الدراسة اصبحت عن بعد والعمل أيضا والعلاقات أيضا وأيضا، وعندما صارت المأساة تكبر والموت يزداد اقتراباً، انكمشت النفوس وصمتت الكلمات وصار السؤال وماذا بعد؟؟؟ ماذا بعد كل هذه المعاناة التي تعصف بنا؟ لماذا يبتعد عنا السواء هكذا وفي كل المجالات، السياسة، المال، الصحة وحتى في وجودنا الحيّ الذي أطاح به انفجار هائل زلزل المدينة الحبيبة، زعزع نفسها الأبيّة، قضى على روحها الجميلة وترك في أعماق أبنائها جروحا لا تندمل وصدمات قد يصعب علاجها ورأب صدعها.
..…. يتبع
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
