النقد الاجتماعي وصور السخرية في مسرحيات (براد الموتى, تفو, مبغى) للكاتب المسرحي علي العبادي

 

إبراهيم رسول

 

المُتَتَبعُ لِحركةِ المشهد المسرحيّ العربي عموماً والعراقيّ بصفةٍ خاصة؛ يجدُ أنَ عواملَ كثيرة تشلّ حركتهورسالته الفنيّة, والمسرحُ يكاد أن يعيشَ حالة منالضياعِ المقصود بظل سياسات مُمنهجة ومقصودة, لكن, ولا يخلو أيّ شيء في الدُنيا مِن هذا الفعل, نبصرُ فيالأفقِ, تيارات , أضواء , تجارب ,تضع للمسرح بصمة أوبصمات إبداعية في مشهده العام. فَمِن بين هذهالأصوات, هو الكاتب المسرحيّ علي العبادي فيمجاميعه المسرحيّة ( براد الموتى, تفو, مبغى). يقدمُ مادةً واقعية ومركزية في بثِ رسائل موّجهة إلى الآخربخيالٍ بليغ المعنى وصور إيحائية رمزية. الاشتغالُ النقديُ الذي قدمه الكاتب, يصبُ في مصباتٍ متفرعةٍ, منها النقدالاجتماعي الذي قدمه على أشكالٍ وصورٍ, استنطقَ شخصيات المسرحية بصورةٍ غاضبة ووظفها لهذه الغايةألا وهي النقد الاجتماعي والسلوكي والفكري حتى. هذهالحالةُ تعكس الصورة السوّداوية لِما تراهُ الشخصيّاتفي مُحيطها الاجتماعي أو الذي تتفاعل معه بصورةٍ مُتناقضة, فبين أخلاق الشخصيّة والمُجتمع, بونٌ شاسعٌ, هنا تتمثلُ الشخصيّة صورة الوحدة المُتميزةوليست المُختلفة, فهو كاتبٌ تميزَ بأن وضعَ لنفسه المكانةالتي تؤهلّه , أن يكونَ في مَكانه الأكثر تَميزاً.

ذكر الناقد د. محمد مندور في كتابه (المسرح العالمي, الطبعة الأولى سنة 2020, الصفحة 13) : وكانتالتراجيديا هي المسرحية الجادة التي تستهدف التأثيرفي البشر عن طريق إثارة مشاعرهم. وهذا التأثير هوالاشتغال الذي اشتغل عليه الكاتب العبادي فيمسرحيّاته الثلاث, هو التأثير في المشاعرِ, ولكنَّه, سلكَ اسلوب أكثر إثارة وأكثر تأثيّر, عندما وظفَ نِقمتهُ وغضبهُ بصورةٍ ساخرةٍ, هذه الصورة كان بارعاً فيخلقِها في ذهنيّة المتلقيّ, فالمتلقيّ العادي يتساءلُ عنكميةِ هذه الكلمات التي تُعد قاسية بحسبِ دِلالة كلّ مفردة, إلا أنَّ الكاتب كان يعني المعنى الأبعد وليسالمعنى المتداول المُستهلك.

يرسمُ الكاتب في مخيّلته المَشهد ويَختمرُ في دِماغهقبلَ أن يُسجلّه عِبرَ الحوار, فهو يستجمعُ الفِكرةويدعها تنضج ومن ثمَ يُطلقها عبر حوار إحدىالشخصيّات, فهو يستنطقُ صورة السخريّة عند المرأةفي مَجموعته ( براد الموتى ):

_ وأنا أتقيء كل القيم الزائفة, التي كانت قرآناً لي ذاتيوم..

وفي صفحةٍ أخرى من المجموعة ذاتها يقول: ما فائدة أنتستحم وكل ما حولك مشع بالوسخ.

هذان النصّان, ونصوص غيرهما, نُسِجا على هذهِ الصورة , تقف الغاية من وراء لجوء الكاتب أن يسلك هذاالاسلوب وهذه اللغة في مجاميعه الثلاثة موضع القراءة, هو لإيصال الثيمات بتقنيات غير نمطية وغير مُستهلكة أوشائعة, فجاءت النصوص تعبرُ عن النفورِ والغضب فينفسيّة الكاتب. صوت الكتاب تقنعَ وراءَ شِخُوصهوبالأخصِ النسائية, فكأنَّه يرمي جام غضبه ونقمته علىهيئة صورة أنثى! ولعلَّ صوت الأنثى يحملُ رسالةً رمزيةً أيضاً, إذ أنَّها قد عبرت أكثر مما يعبرُ الرجل, وهذاواضحٌ بأنَّ نقمة الأنثى أشد وأمضى عندما يُراد لها أنتُعبرَ أو تحكي محنتها.

فهو يركبُ الصورةَ تركيباً فنياً بمسحةٍ دراميةٍ , تؤثرُ فيالآخر ( المشاهد, القارئ, السامع) وهذا التأثير يَقوىكُلّما كانت الشخصيّة تتهتمُ بِخطابها ونوّعيتهورسالته.

والعينةُ الثانيةُ هي مسرحية ( تفو) , الواضحُ فيها, منالعنوان الذي يعد الدال الذي عبرَ بوضوحٍ عن الدلالة , هذا العنوانُ يمثلُ السخرية اللاذعة والمُمضة التي تؤرقالكاتبُ, هذه المسرحية, تعد النموذج الأكثر سخريةً منبين المجاميع الثلاثة, لغة المسرحة متناسبة والخطابالعام.
شخصيات مسرحية تفو, الدفانون الثلاثة والمكان هوالمقبرة, هؤلاء مثلّوا المسرحيّة على أرضِ المقبرة, وصورواالمشاهد والحوار في المقبرة وكان المكانُ عنصراً حاضراً ومُهماً, لم يكن المكان هامشيّاً أو ثانوّياً, إذ خشبةالمسرح مثلّت نقطة مهمة من نقاط نجاح الحوارالمشهدي.

الكاتبُ يشتغلُ على نقد ظواهرَ حيّة ولكن, بصورةٍ عاليةالرمزية, ومُكثفة ومُختزلة, فالحوار لا يهتم للجوانبالشكلية أو الهامشية, بل يأتيك بالفكرة خالصة. إنَّ شخصيات علي العبادي, تُعالجُ قضايا فكريةواجتماعية. إنَّ اهتمامَه النقديُّ تجلّى في صورٍ متعددة. إنَّ المتأملَ في المسرحيّات الثلاثة سيَلّمح بكُلِّ وضوحٍ, أنّ الشخصيات كُلّها قد مارست النقد الضمني غيرالمباشر, ولكن في الوقت عينه لم تكن الشخصيات لتعطيحلولاً حول تلك القضايا التي تنقدها.

وعيّنة ثالثة من الاشتغالُ النقدي الساخر, الذي بدأهُ منالعنوان لمسرحيته( مبغى), التي ما إن تُباشر الشخوصبالحديثِ حتى يبدأ النقد يأخذ الثيمة المركزية لخطابهم, فهو يقول على لسان شخوصه:( لا قيمة للزمن هنا, الذييرتفع مثل الذي ينحدر……. الوهمُ يغرس أنيابه في الروحالتي طالها العطب من كل حدب وصوب…) نحن لا نقرأصوراً جامدة, على الرغمِ من جَفاف الحِوار في كثيرٍ منالأحيان, إلا أنّ لُغة النقد الذي كان بطريقةٍ صَعبة علىجِمهور واسع من الكُتاب, ألا وهو النقد السخري , الذييحتاجُ إلى تمَرُنٍ وتَمرُسٍ كبيرين في الكِتابةِ, وهذهالتقنية هي تقنيةٌ جديدة وآليةٌ فنية تُحسب للكاتب الذييعتمد تقنيات جديدة, يُعبرُ من خلالها عن رسالتهِ التييُريد أن يُوصلها بفنيةٍ عاليةٍ.

الكتابةُ عند المسرحي علي العبادي, لا تعني مجردالكتابة, أيّ أنَّه لم يكتب للكتابةِ نفسها, بل هو استعملأسلوبية خاصة هيمنت على قلمه حتى أصبح يملكُ أسلوباً خاصاً يمثلُّ شخصيته ونزوعه الكِتابي. المتأملُ الحذق أو القارئ الإيجابي لمسرحيات العبادي, سيخرجُ بملحوظاتٍ تبدو كقيمٍ جمالية, نبدأ أولاً: الخطاب غيرالمباشر, لا يَستهلك الكاتب مسرحيّاته بخطابٍ مباشرٍ, بل؛ يلجأً إلى جعلِ النص نصاً إيجابياً وحمّال أوجهٍ متعددة, قابلة لتأويلاتٍ كثيرة, وهذا يعني, أن قراءةالمسرحية لن تُغني عن مشاهدتها ممثلةً على خشبةِ المسرح. ثانياً: الاسلوب الضمني في الكتابة, فالاسلوبالضمني أو المُبطن أو الجواني, أي أنَّه الاسلوبُ غيرالظاهر ظهوراً عيانياً للمتلقي, هذا الظهور يتجلّىباعتماده على عنصر التشويش أو المخاتلة ليزيد التشويقالفني غير العبثيّ, ونرى هذه التقنية توافرت بكثرة فيمسرحيته المهمة ( براد الموتى), ثالثاً, اشتغاله على قضاياواقعية. إنَّ الاشتغالَ على قضايا واقعية معاصرة لميخرجها عن السمة العامة للأدب المسرحي وفقَ التصنيفالأجناسي, بل, هو أدبٌ خصبٌ, يُمثلُ تجربة شخصيّة, تُعد مهمة من تجارب المسرح العراقي, هذه الواقعيةُ هيهاجسٌ يلّحُ في ذاتية المؤلف, لكن هذه الواقعية بالأحداثِ لم تكن مستهلكةً, لأنَّ القراءةَ تكشفُ النص الإيجابي منذأوّل قراءته, لكن الاسلوب المختال أو الضبابي الذي يعتمدُ على آلية كسر النمطية, جعلَ من النص, يقبلُ القراءاتالمتعددة الكثيرة, مما جعل القراءات تتعدد بتعدد الأوجهالتي ضمنها النص.

النقدُ الاجتماعيُّ هو مصطلحٌ من مصطلحات علمالاجتماع, الذي يعني في أبسط ما يعنيه, أنَّه يُحللالعناصر تركيبة المجتمع التي تكون مُعيبة أو يُنظر إليهاعلى أنَّها صفاتٌ مذمومة وغير محببة, وغاية النقد هذا, هو الاصلاح أو التقويم, أي إيجاد حلول لتلك المشاكل أوالأمور المشينة, ونلمح في مسرحيات علي العبادي, اشتغالٌ في هذه الآلية, أي النقد للإصلاح والتقويم ولكنما يُشكل على العبادي, أنَّه لم يضع الحلول بل اكتفىبإثارتها وإبرازها, وينطلق من مفهوم, أنَّ الأدب يُثير أويُحفز ولكنه ليس بالضرورةِ أن يُعطي الحلول. إنَّ أدبَ العبادي( في مسرحياته الثلاثة) كان يستخدمُ تقنيةالإثارة أو التوتر أو الصدمة في المتلقي, دون أن يُنَظِرَ لِحلُولٍ في القَضايا التي يَطرحها في مسرحياته.

تقنية الكتابة الساخرة, أخذت صور متعددة في البناءالمسرحيّ, فهو يُرَمِزُ الشخصيّة تَرميزاً يجعلُهاتَصعبُ على المُستَقبِل, وأسلوبه تَميّزَ بكثرةِ الاتكاءِ على بلاغة الضمنية لتوصيل الفكرة المُراد التعبير عنها. نحن نقرأ مشاهد مسرحية , خطابها العام, موجهٌ نحوالفكر أو قضاياه الكبرى, فمسألة الحياة تشغلُ حيّزاً كبيراً في المسرحيات الثلاثة, وهذا الاهتمام, جاءَ نتيجةالتفاعل الايجابي بين ذات المؤلف وتلك القضايا, هذاالتفاعل تسرّبَ إلى النصِ, حاملاً معه الغضب المتأججفي نفسية المُنتج, فالكتابةُ كانت تحمل سمتين, الأولى, أنَّها ردةُ فعلٍ نتيجةَ مؤثر ما, الثانية, أنَّ الكتابة كانتمسبوقة بعملياتِ إعدادٍ وترتيب, فجاءَت الكتابة متناسبةولحظة الانفجار الكتابي. القراءةُ الايجابية, تبحث عنالصور الفنية ولا تنظر إلى سلّةِ المُهملات, وهذه القراءةُ, تُضيف للنتاجِ الأدبي أو الفني أكثر من تلك, حقيقةُ الاشتغالُ الفني في هذه المسرحيات, قابلٌ أن يُمثلَ علىخشبة المسرح, بشرط التأكيد على جودة الإخراج الذيسيخرجه المخرج الممتاز للناس بالصورة التي عبر بها عنطريق الكتابة, فكثيرٌ من الأعمال التي نُقلت إلى السينماومُثلت بصورة عيانية, خسرت متعتها الفنية ونزوعهاالجمالي, فهذا يعتمدُ على آلياتٍ أخرى غير آليات الكتابة. فقد مارسَ المبدع نقده على نواحٍ كثيرة, وموجهٌ سِهامنقده على القضايا الاجتماعية التي هي واقعيةٌ يوميةٌ, التفكيرُ باليومي المُعاش, هو تفكيرٌ بنمط حياة وآليةعيش, هنا يصح أن نُسمي الكاتب العبادي, بأنَّه الكاتبُ الواقعي.

المحصلةُ في القراءةِ المسرحية لأعمال علي العبادي , أنَّها تقدمُ مادتها على تقنية, السخرية التي هي أصعبمن غيرها في نقلِ الرسائل من وإلى أو بين المُنتجوالمستهلك, هذه التجربةُ, هي تجربةٌ ناجحة وفقَ القراءةالايجابية, التي تعنّى بالصورة الفنية أو الجمال الفنيدون غيره.

شاهد أيضاً

جويس ديب تدخل أجواء بوليوود بأغنية “فلم هندي”.. عمل جديد ينبض بالرومانسية والإيقاع

تستعد الفنانة جويس ديب لإطلاق أغنيتها الجديدة بعنوان “فلم هندي”، في عمل يحمل أجواء رومانسية …