حوارية السيد والعبد

إعداد المحامي كميل سلوم 

حوارية نظمت باللغة البابلية، وتعود إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد، فيها متعة أدبية وفنية تكاد تنفرد في أصالتها وجرأتها في التشكيك بالقيم الاجتماعية والمعتقدات الدينية التي كانت سائدة آنذاك، وتبين لنا مدى اتباع العبد لسيده، وكم هي المحاولات جمّة التي يحاول العبد فيها أن يتحاذق في سبيل نيل رضى سيده بإبداء آراء متناقضة في وقت واحد، بحيث تتماشى مع رغبات سيده المزاجية.

 

– الذهاب إلى القصر

السيد: أصغ إلي أيها العبد!.
العبد: سمعاً وطاعة يا سيدي فها أنا ذا هنا.
السيد: فلتحضّر العربة ولتأتني بها على جناح السرعة فأنا ذاهب إلى القصر.
العبد: فلتمض يا سيدي فلتمض! من صالحك أن تذهب، فعندما يراك الملك سيحسن وفادتك ويقدرك عظيم قدرك.
السيد:حسنٌ أيها الخادم، فأنا لن أذهب إلى القصر.
العبد: صواباً تفعل يا سيدي لا تذهب! علّه إن رآك الملك أرسلك إلى أرض لا يعلم بها إلا الإله، أو دفعك أن تسلك مسلكاً لا تعرف نهاية له، فتعاني الويل والبثور في الليل والنهار.

– المـــأدبة

السيد: أيها العبد فلتسمعني.
العبد: ها أنا ذا يا سيدي السمع والطاعة.
السيد: فلتأتني بالماء أغسل يدي إنني أرغب بتناول طعام العشاء
العبد: العشاء يا سيدي العشاء، نعم فوجبة شهية تريح العقل والتفكير وتسكن الروع والبال.
[……] في وجبة إلهه، جميل أن يغسل المرء يديه ويمضي الوقت في ذلك.
السيد: لا بأس أيها العبد لن أتناول الطعام.
العبد: خيراً تفعل يا سيدي فالأحسن للمرء ألا يأكل حتى يجوع ولا يشرب حتى يعطش.

– الصيـــد

السيد: اسمعني أيها العبد.
العبد: أنا هنا يا سيدي.
السيد: حضّر لي العربة على وجه السرعة فأنا أرغب بالذهاب إلى الصيد.
العبد: فلتذهب يا سيدي فلتذهب، إنّ الصيد يملأ بطن الصياد، وكلب الصيد يلتهم عظام الطرائد، والغراب الذي يجوب البلاد سيطعم صغاره في عشها، وسيجد الحمار الرشيق مراعي نضرة غنّاء.
السيد: حسنٌ أيها العبد لن أذهب إلى الصيد.
العبد: لا تذهب يا سيدي لا تذهب، فإن حظ الصياد يتبدل من وقت إلى آخر، فربما انكسرت أنياب كلب الصيد، وربما فتح الغراب الذي يجوب الأرض هوة في الجدار فيجعله مسكناً له، ويتخذ الحمار الرشيق القفرحظيرة له.

– الــــزواج
السيد: اسمعني أيها العبد.
العبد: السمع والطاعة يا سيدي ها أنا ذا هنا.
السيد: عزمت أن أشيد بيتاً، وأرغب أن يكون لي ولد.
العبد: نٍِعم ما عزمت عليه يا سيدي فلتفعل ذلك فمن يبن بيتاً [……].
السيد: ولكن أيعقل أن أبني بيتاً!.
العبد: لا تبن البيت يا سيدي، لا تبن، وإلا تكون قد هدمت بيت أبيك.
تتبقى أجزاء معينة من هذا المقطع الشعري تسمح لنا بمعرفة أن السيد يريد أن يذهب إلى المحكمة، ولهذا السبب فإنه قرر أن يتغاضى عن أفعال خصومه دون أن ينبس ببنت شفة، ثم كالعادة يغير رأيه فلا يريد أن يبقى صامتاً:
العبد: لا تلزم الصمت يا سيدي لا تلزم الصمت،
إن لم تفتح فمك سيطلق سراح مناوئك،
ويهاجمك خصومك بعنف إن تكلمت.

– الثـــورة
السيد: استمع إلي أيها العبد.
العبد: السمع والطاعة ها أنا ذا يا سيدي.
السيد: لقد عزمت أن أقود تمرداً (ثورة).
العبد: فلتقد تمرداً يا سيدي فلتقد، إن لم تقد التمرد يا سيدي فمن أين ستأتي بالثياب؟..
ومن سيملأ لك بطنك؟.
السيد: لا بأس، أيها العبد لا أريد أن أقود تمرداً وعصياناً.
العبد: لا تقم به يا سيدي، لا تفعل،
فمن يقم بالعصيان إما أن يقتل أو يسلخ جلده،
أو تسمل عيناه أو يعتقل ويلقى إلى غياهب السجون.

– المضاجعـــة

السيد: اسمعني أيها العبد.
العبد: السمع والطاعة يا سيدي أنا هنا.
السيد: أرغب أن أضاجع امرأة.
العبد: فلتفعل يا سيدي ولتضاجع امرأة،
فالمرء الذي يضاجع امرأة يسلى الخوف والحزن.
السيد: حسنٌ أيها العبد، لا أرغب أن أضاجع أية امرأة.
العبد: نعم يا سيدي لا تفعل، لا تضاجع أية امرأة،
إن المرأة وجرة( ) حقيقية، وجرة ضيقة وعميقة،
والمرأة خنجر حديدي قاطع يقدّ حنجرة الرجل.

– القربـــان

السيد: اسمعني أيها العبد.
العبد: سمعاً وطاعة يا سيدي ها أنا ذا هنا.
السيد: فلتأتني بالماء لأغسل يدي،
فأنا عازم على تقديم قربان للإله.
العبد: خير تفعل يا سيدي فلتقدم قرباناً،
فالمرء الذي يقدم قرباناً للآلهة يملأ قلبه الرضى والسرور،
وتأتيه النعم والأرزاق من حيث لا يحتسب.
السيد: حسنٌ أيها العبد لا أرغب بتقديم قربان للآلهة.
العبد: خيراً تفعل يا سيدي لا تقدم قرباناً للآلهة،
إن فعلت فإنك تعلم إلهك أن يلهث وراءك كالكلب،
ليطلب منك إقامة الشعائر أو يقول لك: (ألا تتضرع لإلهك وتتشوره؟)،
أو أي شيء آخر.

– العمــل

السيد: أين أنت أيها العبد فلتسمعني.
العبد: سمعاً وطاعة يا سيدي ها أنا ذا بين يديك.
السيد: أرغب أن أربو بفضتي وأكثّرها.
العبد: فلتربُ بها يا سيدي ولتكثرها،
فمن يربُ بفضته يحفظ رأس ماله، بينما يزداد ماله ويكثر.
السيد: حسنٌ أيها العبد لا أريد أن أربو بفضتي.
العبد: لا تربُ بها يا سيدي لا تفعل،
فالاستقراض حلو كمضاجعة النساء، ولكن استرجاع المال صعب كالولادة،
فهم يذهبون برأس مالك، ويكيلون لك اللعنات بلا توقف،
ويبخسونك مالك وفائدته.

– صدقـــة

السيد: أيها العبد اسمعني.
العبد: أنا هنا وكلي آذان صاغية يا سيدي.
السيد: أرغب أن أقوم بعمل فيه إحسان ومنفعة للناس.
العبد: أحسنت يا سيدي فلتفعل ذلك،
فمن يقدم المنافع للناس تعرض أعماله في حضرة الإله (مردوخ).
السيد: لا بأس أيها العبد لا أرغب في تقديم أية منفعة للناس.
العبد: لا تفعل يا سيدي، لا تقدم أية منفعة، ولتصعد على آثار الأولين، ولتمش عليها، ولتنظر إلى جماجم العامّة والنبلاء، فأيها الآثم الجاني وأيها صاحب البر والإحسان؟.

– الخاتمـــة

السيد: اسمعني أيها العبد.
العبد: سمعا وطاعة يا مولاي.
السيد: إذاً ما هو الشيء الحسن ؟.. أأدق عنقك وعنقي،
أم نرمي بأنفسنا إلى النهر، أيكون هذا أمراً جيداً؟..
فمن ذا الذي يمكن أن يتطاول فيبلغ السماء؟
ومن هو الرحب الواسع فيحيط العالم بأسره؟
السيد: حسنٌ أيها العبد سأقتلك وأرسلك أولا قبلي.
العبد: أجل، ولكن بالتأكيد فإن سيدي لن يبقى على قيد الحياة بعدي ثلاثة أيام [……] !.
————
– الوجرة: شرك بشكل حفرة عميقة يحال الخروج منها، يحفر لصيد الوحوش.
– مردوخ (Marduk): الإله الرئيس لمدينة (بابل)، وإله البابليين الأعظم، ومعبده في مدينة (بابل) يدعى ايساجيلا، وله خمسون اسماً.
————————–

عن كتاب : موسوعة ملاحم وأساطير من الشرق الأدنى القديم، حسام ديوب.

شاهد أيضاً

نيكولا دبس يطلق “لوحة فنية”

  أطلق الفنان نيكولا دبس أحدث أعماله الغنائية بعنوان “لوحة فنية”، في تجربة جديدة تحمل …