أهلاً بكم في وطنكم الثاني ليبيا

احمد السلمان

في خريف عام 1999 كنتُ واحداً ممّن التقاهم الرئيس الليبي معمّر القذّافي في خيمته الرئاسية بمدينة سرت. وفي اليوم التالي دعانا “سيف الإسلام القذافي” إلى احتفالية ثورية لم تكن جادّة بالقدر الكافي.

قام المنظّمون بتخصيص المقاعد الأولى لنا، وبعد فاصلٍ قصير، كان المكان يعجُّ باللجان الشعبية واللجان الثورية في زحامٍ مفتعل. في ذلك اللقاء حضرت واحداً من أكثر المشاهد تعبيراً عن عصر الجماهيرية، فبينما ينظر “القذّافي الابن” إلى أعلى باتجاه الفراغ، قام أحدهم بتقديم شخص لاتيني قائلاً: “والآن.. جاء موعدكم مع الكلمة التي طالما انتظرناها: إليكم الثائر البرازيلي العالمي (شخص ما)، والذي سيتحدّث إليكم باللغة البرتغالية”.

لا تبدو على ملامح المتحدّث البرازيلي أيّ سماتٍ ثورية، ثمّ إنّ اسمه الذي لم يسمع به أحد، يضعه خارج نطاق “العالميّة”، لكنّ حديثه باللغة البرتغالية كان الأكثر إثارة في المشهد بكامله. بدأ الثائر البرازيلي خطابه العالمي في سرت، وراح يصيح ويصرخ، وكلّنا آذان صاغية، ثمّ إذا به يقول “القذّافي”، وإذا بسيف الإسلام والجماهير الحاشدة تصفّق بحرارة. وكان ذلك بمنزلة الترسيخ لتقليدٍ استمرّ طوال الخطاب، فكلّما سمع الناس كلمة “القذافي” راحوا يصفّقون ويهتفون، ثمّ يهدأون إلى أن تعود الكلمة من جديد.

العصر اللامعقول الثاني

كان ذلك المشهد معبِّراً عن العبث الأيديولوجي الذي ساد الأربعين عاماً القذّافيّة، وقد توالتْ توابعه طوال العشريّة الفائتة، ولا تزال.

في عام 2011 اعتقد الليبيون أنّ نهاية القذافي هى نهاية اللامعقول، لكنّ الجماعات المتطرّفة والمدعومة بتحالف الجهلاء والعملاء، قد أدخلت ليبيا إلى “العصر اللامعقول الثاني”.

كانت جماعة الإخوان غير موجودة في ليبيا، ولم يكن بمقدور أعضائها ملء فناء مدرسة ابتدائية واحدة، فإذا بها ترى نفسها القوة السياسية الأساسية في البلاد، وإذا بالدوحة وأنقرة وعواصم أخرى تعمل على تقديمها الوريث السياسي للعصر القذّافيّ.

وبينما جماعة الإخوان تبدأ حقبة من تزييف الوعي، وكتابة تاريخ لم يحدث، وبطولات لم تقع، كانت الجماعة الإسلامية المقاتلة التي تنتمي إلى أيديولوجيا القاعدة ترى نفسها الأحقّ بالخلافة، ثمّ إذا بتنظيم داعش المستحدث يرى نفسه الخلافة ذاتها، ثمّ توالت طبقات الظلام، واحدة وراء الأخرى.

أصبح ذلك البلد الرائع، الذي ينافس بروعته الجيران الشماليين في جنوب أوروبا، ساحةً للعبث الدولي، على أيدي حركات وجماعات، وعواصم ومنظّمات. يرى الكلُّ لليبيا مستقبلاً وخريطة طريق، فيما الليبيون أنفسهم محبطون ومبعدون.

أصبح معظم السياسيين والإعلاميين الليبيين أقرب إلى عواصم الخارج منهم إلى أنفسهم، وصارت أعينهم تتعلّق بما وراء الصحارى أو البحار، أكثر ممّا تتعلّق ببناء الدولة أو صناعة الأمل.

ذات يوم استقبل الرئيس اللبناني الأسبق “شارل الحلو” وفداً من الصحافيين اللبنانيين قائلاً: “أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان”، وربّما يمكن استعارة المقولة ذاتها: “أهلاً بكم في وطنكم الثاني.. ليبيا”.

حفتر وسيف الإسلام

بعد طريق طويل من اللافعل، توصّل الليبيون والعالم إلى إعلان يوم 24 كانون الأول 2021 موعداً للانتخابات الليبية، وذلك للخروج من الأزمة التي باتت معضلة. فالانتخابات تؤسّس لشرعية السلطة، وتوقف التدخّلات الأجنبية في البلاد، وتعيد الوحدة السياسية وتوحيد المؤسسات، وتمنع سيناريوهات الانقسام. وفي عبارة واحدة: الانتخابات تساوي الدولة.

ما إن تمّ الإعلان عن الجدول الانتخابي حتى تقدّم عددٌ من مشاهير وقادة المشهد بأوراق ترشيحهم إلى المفوضيّة العليا للانتخابات.. رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، والمشير خليفة حفتر، وسيف الإسلام القذافي، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، والدكتور عارف النايض، وآخرون.

انتقدت الولايات المتحدة ترشُّح سيف الإسلام القذافي، المتّهم بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية وتجب محاكمته، وتحدّث الإعلام الغربي عن سيف الإسلام باعتباره “المرشّح الروسي” في الانتخابات الليبية. لا يمكن الجزم في ما سيحدث في الأيام القليلة القادمة. هل يتمّ رفض ترشُّح سيف الإسلام أم لا؟ هل يتمّ قبول ترشُّح المشير حفتر أم لا؟ هل في ليبيا مَن يفكّر في سيناريو الإطاحة بالاثنين معاً ومنع ترشُّحهما، حيث إنّ الإطاحة بأحدهما دون الآخر قد تكون أصعب من الإطاحة بهما معاً؟

 

القاهرة واللاءات الثلاث

تتابع القاهرة ما يجري في ليبيا أكثر ممّا تتابعه أيّة عاصمة أخرى، ولقد لخَّصت مصر رؤيتها للحلّ في ليبيا عبر ما يمكن تسميته “اللاءات الثلاث”، وهي:

– لا لتأجيل الانتخابات.

– لا للمرتزقة.

– لا للقوات وشبه القوات الأجنبية.

وبحسب كلام الرئيس عبد الفتاح السيسي في باريس، فإنّ ليبيا لن تستعيد السيادة والوحدة والاستقرار، من دون حلّ المشكلة الأساسية المتمثّلة بالمقاتلين الأجانب على أراضيها.

في ليبيا نوعان من المقاتلين الأجانب:

1- المقاتلون المرتزقة الذين يحظون برعاية تركية قطرية، وربّما تكون هذه الرعاية بالأصالة عنهما، أو بالنيابة عن غيرهما.

2- والقوات الأجنبية النظامية المتمثّلة بالقوات التركية التي توجد على الأراضي الليبية بموجب اتفاق غير قانوني مع حكومة فايز السراج السابقة، والقوات غير النظامية، مثل “مجموعة فاغنر” الروسية، التي يرى الغرب أنّها مدعومة من الحكومة الروسية، وتنفي موسكو أنّها تمثّلها.

تقوم رؤية مصر على إخراج الجميع، المرتزقة، والقوات التركية، ومجموعة فاغنر، وكلّ مقاتل أجنبي على الأراضي الليبية، بحيث لا يكون في ليبيا سوى القوات الليبية، وتحتكر الدولة الليبية وحدها أداة القوة في البلاد.

صُنِع في ليبيا

في خريف عام 2021 أُقيمت في تونس احتفالية اقتصادية ضمن فعّاليات المنتدى الاقتصادي التونسي الليبي، وحملت الاحتفالية عنوان “صُنِع في ليبيا”.

هذا العنوان هو أهمّ ما تحتاج إليه ليبيا، بعد الانتخابات، وإخراج حَمَلة السلاح الأجنبي.

آن لليبيا أن تنتقل من الثورة إلى الدولة، ومن الخطابة إلى الاقتصاد. تحتاج ليبيا إلى أن تنتقل من ثقافة “الجماهيرية” إلى ضوابط “الجمهورية”، ومن فوضى التطرّف إلى معالم الدولة. تحتاج ليبيا إلى مَن يخاطب نخبتها ذات يوم: أهلاً بكم في وطنكم الأول.. ليبيا.

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور..

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.

عضو مجلس جامعة طنطا، وعضو مجلس كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

شاهد أيضاً

الشيخ المثقف المتنور فضل مخدر غادرنا شامخاً

بقلم // جهاد أيوب   اكفكف وجودي وليس ما سقط من عيوني حزناً على رحيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.