بليغ حمدي “إبن النيل”. . صاحب الجملة الموسيقية الخالدة

 

زياد سامي عيتاني*

“عايز إبقى مزيكاتي” جملة كررها بليغ حمدي ، وهو في عمر السابعة قبل أن تتحول لواقع، فيصبح بالفعل من أهم الموسيقيين ليس في مصر فحسب بل في العالم العربي، حتى وصفه الشاعر كامل الشناوي بأمل مصر في الموسيقى، وهو اللقب الذي صاحبه بعد ذلك، إضافة إلى ألقاب “ملك الموسيقى” وإبن النيل” و”درويش عصره”، حيث إستطاع أن يكون قدوة في عالم التلحين، وكوّن ثنائياً مع عدد كبير من نجوم الفن والغناء في العالم العربي…
في ذكرى رحيله (١٢ أيلول ١٩٩٣) نستعرض بعضاً من محطات مسيرته الحافلة بالموسيقى والألحان والإبداع الفني.
****


•أتقن عزف العود منذ التاسعة:
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 1931، ولد بليغ بن عبد الحميد حمدي مرسي في حي شبرا في مصر، وكان والده يعمل أستاذاً للفيزياء في جامعة القاهرة “فؤاد الأول” سابقاً.
وكان بليغ حمدي في عمر السابعة مهتماً بالموسيقى فأتقن العزف على العود وهو في الـ 9 سنوات، وعندما بلغ الـ 12 عاماً قرر أن يدرس أصول الموسيقى، فحاول أن يلتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، لكنه لم يتمكن لسنه الصغير، فإلتحق وقتها بمدرسة شبرا الثانوية، ولكنه بدأ يدرس أصول الموسيقى في مدرسة عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية، وتعلّم الموشحات العربية من خلال درويش الحريري، وبعد الثانوية إلتحق بكلية الحقوق، وحقّق حلمه بالإلتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، والذي سميّ لاحقاً بمعهد الموسيقى العربية.
****
•البداية الفنية:
تعرف بليغ حمدي على مستشار الإذاعة المصرية محمد حسن الشجاعي، والذي أقنعه كي يحترف الغناء، وبالفعل سجّل بليغ أربع أغنيات وقتها، ووضع لحن أغنيتين للفنانة فايدة كامل، هما “ليه لأ” و”ليه فاتني ليه”، ليقدّم بعدها “ما تحبنيش بالشكل دا” للفنانة فايزة أحمد ، وفي هذا الوقت توطدت علاقته بالموسيقار الكبير في تلك الأثناء محمد فوزي ، والذي أعطاه فرصة كبيرة من خلال شركته “مصر فون”، وقدّم أول ألحانه ل عبد الحليم حافظ ولحّن أغنية “تخونوه”.
****
•مجدد أم كلثوم:
شعرت كوكب الشرق “أم كلثوم” مع بداية السبعينات بأنها تخسر مكانتها شيئاً فشيئاً نتيجة إستمرارها في غناء النمط نفسه الذي تعودت عليه برفقة السنباطي، وكان الشباب ينجذب بشكل أكبر لجيل جديد من المغنين في مقدمتهم عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد فوزي، حينها أتى التعاون الذي منح “الست” سنوات وسنوات أخرى من العطاء.
وتكفل المطرب والملحن المصري محمد فوزي بإهداء السيدة أم كلثوم فكرة التعاون مع بليغ حمدي، الشاب العبقري، وهكذا بدأت مرحلة بليغ والست بأغنية “حب إيه” في عام 1960، لتتبعها أغنية “أنساك” في العام التالي.
إذن، يعد الفنان محمد فوزي هو أول من قدم بليغ حمدي لأم كلثوم عندما طلبت منه أن يلحّن لها إلا أنه إعتذر بطريقة مهذبة، ثم قال لها: “عندي ليكي حتة ملحن يجنن مصر حتغني ألحانه أكثر من 60 سنة أدام”.
كان أول لقاء بين أم كلثوم وبليغ حمدي في منزل طبيبها زكي سويدان، ووقتها لحّن وعزف بليغ وهو يجلس على الأرض، وسط ذهول الموجودين، فجلست أم كلثوم بجواره وطلبت منه بعد أن انتهى من أول كوبليه، أن يكمّل اللحن فأوضح لها بأنه لم يكمله فأعطته الوقت كي ينتهي منه، ليتعاونا سوياً لأول مرة في عام 1960، من خلال أغنية “حب إيه”، والتي حققت نجاحاً ساحقاً.
وبعد ذلك قدّم لها 11 أغنية هي “انساك” و”ظلمنا الحب” و”كل ليلة وكل يوم” و”سيرة الحب” و”بعيد عنك” و”فات المعاد” و”أنا فدائيون” و”ألف ليلة وليلة” و”الحب كله” و”حكم علينا الهوى”، وهي آخر أغنية قدمتها أم كلثوم في عام 1973.
****
•تألق العندليب بألحان بليغ:
تعاون عبد الحليم حافظ في بدايته مع صديقه الملحن محمد الموجي، لكن تعاونه مع بليغ جاء ليسطر معه حليم مرحلة شهدت أوج عطائه، إذ في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات كان حليم ملء السمع والبصر ليس فقط بإعتباره مغنياً، ولكن بوصفه نجما سينمائيا. وفي هذه المرحلة صنع بليغ مجموعة من أكثر أغاني حليم شعبية، منها “تخونوه” من فيلم الوسادة الخالية، و”خسارة” من فيلم فتى أحلامي.
واستمر التعاون عقب ذلك حتى وفاة حليم، حيث تنوع بين مجموعة من أبرز أغاني حليم الدرامية على شاكلة “أعز الناس” و”أحضان الحبايب”، وأغانيه التي حاول فيها استلهام اللون الشعبي على شاكلة “على حسب وداد قلبي”، وبالطبع لا يفوت بليغ تأليف مقدمات موسيقية يطلب تكرارها الجمهور في “زي الهوى” و”حبيبتي من تكون”.
فكانت علاقته بعبد الحليم وطيدة حتى أنه أقام عزاء عبد الحليم حافظ في منزله، ورفض أن يغني أحد أياً من الألحان التي قدمها لعبد الحليم، وآخرها لحن “الحب أحلى من حلاوته مفيش”. وإن كانت أيضاً علاقتهما مرت ببعض فترات الخلاف، وقال بليغ حمدي عنه “الإرهاب الفني” وتحدث عن زعل عبد الحليم منه، إذ قدم ألحاناً لفنانين أخرين، ولكن سرعان ما إنتهى الخلاف.
****

  1. •ثنائي فني مع وردة:
    وردة وبليغ حمدي، من أشهر الثنائيات الفنية والإنسانية، جمعت بينهما قصة حب قوية توجت بالزواج وبعشرات الألحان الخالدة، واللافت أن أغنية «تخونوه» التي قدمها عبدالحليم حافظ، كانت بداية لقصة الحب بينهما، حيث أعجبت وردة باللحن المليء بالشجن، وأصرت على لقاء ملحنها، وبعد اللقاء بدأت قصة حبهما، وبعد فترة قابل بليغ والدها وطلب الزواج منها، لكن الوالد رفض طلبه بشدة لأنه فنان، وكان يرسم لإبنته مستقبلاً آخر، وبالفعل زوجها من ضابط جزائري رفض عملها في الغناء.
    وفي مطلع السبعينيات تبدلت حياة وردة بعدما سافر بليغ للجزائر ليلحن أغنية عيد الاستقلال الجزائري، ليلعب القدر لعبته وتخوض معارك عديدة للعودة للفن، خاصة بعدما أقنعها بليغ بألا تحرم جمهورها من صوتها، وأن تتجه لمصر لتبدأ رحلتها الفنية، وفي 1972 تزوجا، واستمر زواجهما ستة أعوام فقط، قدم لها بليغ خلالها ألحاناً من أفضل ما غنت، ويعتبر المؤرخون ما قدمه خلال هذه السنوات الست بمثابة التاريخ الحقيقي لوردة.
    وتعتبر وردة أكثر من لحن لها بليغ في مسيرته، وبالمقابل من أهم ما غنت وردة هو لبليغ حمدي.
    ****
    •الزوج من وردة عمد نجوى فؤاد:
    يذكر في هذا الإطار أن بليغ قام بالزواج من وردة في منزل الفنانة نجوي فؤاد التي كانت تقوم في نفس الوقت بعقد قرانها، فطلب بليغ من وردة الزواج منه، وتم عقد القران في نفس الوقت.
    وقيل أن مقدمة أغنيات “بعيد عنك” و”الحب كله”، و”سيرة الحب”، و”أنساك” لأم كلثوم كانت رسائل غير مباشرة من بليغ لوردة، وعلمت أم كلثوم بالأمر فقالت له مازحه: “أنت بتشتغلني كوبري للبنت اللي بتحبها”.
    ****
    •ألحانه لكبار المطربين:
    كما غنى الكثير من الفنانين والفنانات من ألحانه، ومنهم صباح و شادية و محمد رشدي وفايزة أحمد، و محمد عبده و طلال مداح ، كما تعاون مع الفنانة الراحلة ذكرى و محرم فؤاد و فهد بلان ولطيفة و سميرة سعيد وهاني شاكر ومحمد منير وأصالة وعلي الحجار ومحمد الحلو، وغيرهم…
    ****
    •بليغ حمدي وميادة الحناوي:
    بعد إنفصاله الزوجي والفني تبنى بليغ المطربة ميادة الحناوي، الذي تمكن من إطلاقها كنجمة في زمنها، حتى أطلق عليها لقب “مطربة الجيل”، فقدم لها عشرات الأغاني الناجحة مع عدد من الشعراء الكبار. وكان عطاء العشر سنين الأخيرة لبليغ حمدي موجه بشكل حصري تقريباً للمطربة ميادة، حيث غنت من كلماته وألحانه “الحب اللي كان” و”أنا بعشقك” الأغنيتين الغنيتين عن التعريف.
    وقد إعتبر النقاد وقتها تبني بليغ لميادة وكتابة رتلحين هتين الأغنيتان كان بمثابة ردّ على وردة بأنه قادر على إيجاد بديل فني لها، خصوصاً وأن الألحان التي قدمها لميادة متطابقة مع روحية ونفس ألحانه لوردة!
    ****
    إذا ما أردنا تلخيص مسيرة بليغ الطويلة والمتشعبة، فلن نجد خيراً من الجملة التي تعنون لمسيرته: “الجملة الموسيقية الخالدة”، وذلك كان موهوباً وبشدة في خلق الجمل الموسيقية الخالدة، يصنعها عشرات المرات، ولا يبدو أن بحره ينضب…
    ****
    *إعلامي وباحث في التراث الشعبي.

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.