محمد بن علي بن ضعين البادي
من ينظر إلى سواحل بحر العرب اليوم، لا يلمس ذلك الصمت المعهود الذي يسبق العواصف، بل يواجه سكوناً مريباً يحمل في طياته غموضاً لا تشبهه البدايات التقليدية، وكأن البحر يحبس أنفاسه لحدثٍ غير مسبوق، صمتٌ يشبه التلاشي، حيث لم تعد العيون ترقب الأفق بحثاً عن أرزاق البحر المفقودة، بل باتت ترصد أشباح الفولاذ التي تمخر العباب كأنها أقدار مبرمجة سلفاً، إننا هنا لا نقف أمام تقلبات مناخية يداوي جراحها مرور الزمن، بل نواجه إعصاراً سياسياً صِيغت فصوله في مختبرات القوة البعيدة ليلقي بظلاله الداكنة فوق الوجدان الشعبي، وبين سماءٍ تضمر رعدها وبحارٍ تضيق ببارود الغرباء، يقف الإنسان وحيداً ومثقلاً بالأسئلة المريرة حول ما إذا كانت هذه الممرات المائية قد وُجدت لتكون ساحة لصدام الإرادات الحديدية، وهل سيظل مصيرنا رهينةً لقرارات تصدر من غرف عمليات مغلقة لا تدرك ملامح وجوهنا، إنها اللحظة القاسية التي تصطدم فيها قوانين الطبيعة بعواصف الأطماع البشرية، لتتحول أوطاننا إلى مجرد هوامش في صراع يسطره الأقوياء بمداد من قلقنا وخوفنا.
لقد اعتاد سكان السواحل جيلاً بعد جيل أن يراقبوا السماء كل عام بتوجس قديم، فموسم الأعاصير لم يكن قط مجرد خبر عابر في نشرة الطقس، بل كان تذكيراً دائماً بهشاشة الكيان الإنساني أمام جبروت الكون، حيث تقتلع الرياح البيوت وتترك خلفها ندوباً غائرة في الذاكرة، لكن المشهد اليوم تجاوز حدود الانصياع لقوانين الخالق ليدخل في دائرة العبث البشري، فالبحر الذي كان رمزاً للحرية ومصدراً للحياة تحول تدريجياً إلى فضاء مزدحم بالرسائل العسكرية المشفرة، وأصبح السؤال الذي يتردد في الصدور يفتش عن أي العواصف أشد فتكاً، أهو غضب الطبيعة الذي يسير وفق سنن كونية واضحة ونزيهة، أم عاصفة السياسة التي فقدت بوصلتها الأخلاقية وتدار بلغة المصالح الباردة.
إن عسكرة البحار لا تبني سلاماً، بل هي إعلان صريح عن ارتعاش العالم ووقوفه على حافة الانهيار، حيث تظهر مياهنا كمرآة تعكس اضطراب الضمير العالمي، والمؤلم في هذا المشهد أن العبث لم يتوقف عند حدود السياسة، بل امتد ليفسد الدورة الحيوية للطبيعة ذاتها، فالتلوث الصامت الناجم عن الحشود العسكرية أربك التوازن البيئي، وقذفت الأمواج بجثث الكائنات البحرية على الشواطئ في احتجاج صامت، وكأن البيئة التي وهبتنا الحياة تئن اليوم تحت وطأة جشع المخلوق الذي يشوه نماء فطرته ويدمر مهد وجوده، فنحن اليوم عالقون بين تهديدين، سطوة الطبيعة حين تثور، ورعونة السياسة حين تفقد رشدها، وبينما تخمد ثورة الأولى بعد أيام لتعود الأمور إلى مجراها الكوني، قد تمتد عواصف الثانية لسنوات مخلّفةً وراءها مناطق رهينة للقلق الوجودي الدائم.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
