حوار الشاعرة دلال موسى
في زمنٍ يتسارع فيه كلّ شيء، يبقى الفنّ والأدب المساحة الوحيدة التي نلتقط فيها أنفاسنا ونعيد طرح الأسئلة الكبرى: من نكون؟ ولماذا نكتب؟ ولمن نرسم هذا العالم بالكلمات والألوان؟
هذه المقابلة ليست بحثًا عن أجوبة جاهزة، بل محاولة للإصغاء إلى التجربة، إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يصوغ الجمال من الألم، والمعنى من الفوضى. سنحاور الفنّ بوصفه موقفًا، والأدب باعتباره فعل مقاومة للزوال، وذاكرةً لا تقبل النسيان.
زينب محمد الضِّيقة تكتب من موقع الوعي لا من هامشه، وتتعامل مع اللغة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون أداة تعبير. انطلقت من العربية كجذرٍ معرفي، ووسّعت أفقها بدراسة الحقوق والعلوم السياسية، فصار النص عندها مساحة مساءلة لا زخرفة، وذاكرة لا تقبل التجميل. في أعمالها، من «ذاكرة بلا قشور» إلى «أثر – جناحانا من طين»، وصولًا إلى نصّها الفائز «الواحدة والنصف بتوقيت الغيب»، تشتغل على الإنسان في لحظته العارية، حيث يصبح الغياب معنى، والأثر لغة، والصمت جزءًا من السرد. وإلى جانب تجربتها الإبداعية، راكمت حضورًا تربويًا وثقافيًا طويلًا في التعليم، الإشراف، والتدقيق اللغوي، ما منح كتابتها صرامتها ودقّتها دون أن تفقد حسّها الإنساني. زينب الضِّيقة لا تكتب لتُستهلك، بل لتبقى، ولا تبحث عن الضوء، لأن نصّها يعرف طريقه إليه وحده.

هل تُؤمنين أن الجرأة في الأدب اليوم حقيقية، أم أنها صارت جزءًا من التسويق الثقافي؟
الجرأة في الأدب اليوم منقسمة على نفسها:
جزءٌ منها حقيقيّ، نابع من حاجة داخليّة لا تهدف لإثارة الضجيج، وهذا النوع من الجرأة ليس له صوت، صامت يقترب من الحقائق ليكشف، وليعرّي المسكوت عنه لأنّ الصمت اليوم صار خيانة فنيّة، الجرأة هنا باتت موقفًا أخلاقيًّا وجماليًّا، لا زينة نصّيّة جاذبة.
لكن في المقابل، هناك جزءٌ كبيرٌ منه صار سلعة، جرأة مُعلّبة، تُقاس بالتفلّت من القيم، أو بالكسور الأخلاقيّة، أو بقدرتها على إثارة الجدل السريع، هذا النوع لا يغامر فعليًّا؛ هو آمن جدًا لأنّه يعرف جمهوره وأسراره، جرأة بلا ثمن، وهذا أخطر ما فيها.
المفارقة، أنّ الجرأة الحقيقيّة اليوم قد تكون على العكس تمامًا:
_أن تكتب بصدق لا يرضي السوق. _أن تكتب بعمق في زمن السرعة. _أن ترفض الابتذال وأنت قادر عليه.
_أن تحافظ على إنسانيّة اللّغة وسط استعراض فاقع وصادم.
إنّ الجرأة موجودة، لكنها لم تعد تُعرَف من العنوان، بل تُعرَف من الأثر: هل النص يغيّرك ويرتقي بك؟ أم يستهلكك ويُسقطك؟
وأنا أعتقد أنّ القارئ الذي يعي معنى الجرأة ومحاذيرها يتعامل معها بحذر ووعي.
هل تؤمنين أن بعض الصمت أكثر أخلاقية من بعض الكتابات التي نقرأها اليوم ؟
نعم، أؤمن بشدّة أنّ بعض الصمت أكثر أخلاقيّة من بعض الكتابات، لأنّ الكتابة مسؤوليّة، والصمت فضيلة عمليّة رفيعة، يوجّه رسائله الفنيّة التي تجيش بالأسرار النبيلة.
وحين تتحوّل الكتابة إلى كشفٍ بلا ضرورة، أو إلى تعرِية لا تخدم فهمًا ولا تُنقِذ إنسانًا، تصبح نوعًا من العنف الأدبيّ، فهناك نصوص لا تقول شيئًا جديدًا، لكنّها تجرح كثيرًا ولا تُضيء، فالصمت هنا يكون امتناعًا أخلاقيًّا لحماية المفاهيم الصحيحة والسليمة،
والصمت في هذه الحالة هو فعل اختيار حتّى لا نضيف قسوة إلى عالمٍ مشبع بها؛ فالأدب الحقيقيّ لا يُقاس بجرأته على كسر المحظور، بل بقدرته على تحمّل تبعات ما يكسره، وما لا يحتمل كاتبه تبعاته الأخلاقيّة، ربّما كان الأجدر به أن يبقى مسكوتًا عنه، إلى أن يرى النور بصدق أعمق، أو ألا يُكتب أصلًا.
لذلك نعم، هناك صمتٌ نابع من وعي، وهذا الصمت في زمن الضجيج فعل أخلاقيّ خالص.

حين تكتب المرأة عن ذاتها، هل تكتب فعلًا عن نفسها أم عن النسخة التي يُسمح لها أن تكونها؟
غالبًا، عندما تكتب المرأة عن ذاتها؛ فهي تكتب بحذر شديد عن المسافة بين ما هي عليه، وما يُسمح لها أن تكون.
في البدايات، لا تكتب المرأة عن ذاتها الخالصة، فتكتب عن ذاتها المُفَلترة، لأنّ كلماتها تمرّ عبر رقابة العائلة، المجتمع، القارئ، وحتّى “المرأة النموذجيّة” المتخيَّلة التي يُكافَأ الاقتراب منها ويُعاقَب الابتعاد عنها، تكتب بأسلوب متوازن ومتقَن: كم أقول؟ كيف أقول؟ وأين أتوقّف كي لا أُدان؟
لكن نجد احيانًا، حتّى هذا القيد يظهر في النصّ بأشكال مختلفة:
الصمت، الالتفاف، التورية، الحذف والتلميح، كلّها أشكال اعتراف غير مباشر؛ فالمرأة حين تُمنَع من قول ذاتها كاملة، تبتكر لغةً جانبيّة، ذكاءً تعبيريًّا، كتابةً بين السطور، وهذا بحدّ ذاته شكل من أشكال الصدق، وإن كان تلميحًا.
ومع الزمن أو مع شجاعة استثنائيّة تبدأ بعض النساء بالكتابة عن الذات التي لم يُسمح لها بالظهور، أو بمعنىً آخر عن الجهة المعتِمة من ذاتها، تكتب عنها بثبات، هنا تبتعد الكتابة عن كونها تبريرًا للذات، أو بوحًا فضفاضًا لتصبح فيما بعد عملًا نفسيًّا لاستعادة الذات.
إذن الجواب ليس نعم أو لا.
المرأة تكتب أحيانًا عن نفسها كما تُرى، أحيانًا عن نفسها ماذا تُخفي،
ونادرًا وهذا الأجمل عن نفسها كما هي، ولو كلّفها ذلك العزلة أو سوء الفهم.
في لحظة الصدق القاسي: أيّهما أخطر على الكاتب : الرقابة الخارجية أم الرقابة التي تنشأ داخل الوعي؟
في لحظة الصدق القاسي وبطبيعة الحال نجد أنّ الرقابة التي تنشأ داخل الوعي أخطر بلا تردّد.
الرقابة الخارجيّة واضحة المعالم؛ فهي تُقاوَم، تُخادَع، تُكسَر أحيانًا. الكاتب يعرف عدوّه، يعرف حدوده، ويستطيع إن شاء أن يكتب كلّ شيء عن هذه الحياة من دون دراية أو وعي وبالعكس فالكتابة قرار ونهج.
أمّا الرقابة الداخلية؛ فهي الأخطر لأنّها تتخفّى في هيئة الحكمة،
وتأتيك بصوت يشبه صوتك.
هنا يصبح الكاتب محاصَرًا من سلطة خوفه، ويبدأ النصّ بالتقلّص قبل أن يُكتب؛ فتُمحى الجملة وهي ما تزال فكرة، وتُستبدل الجرأة بالتهذيب، والصدق بالصياغة الآمنة.
الأخطر من ذلك أن الرقابة الداخليّة تُنتج نصوصًا تبدو مكتملة، لكنّها في الواقع مفرغة من جوهرها، هي نصوص بلا خطيئة، وبلا حياة وبلا روح.
الكاتب الذي يهزمه الرقيب الخارجيّ قد يخرج يومًا منتصرًا،
أمّا الذي يسكنه الرقيب الداخليّ؛ فيحمله معه أينما ذهب.
لذلك، إنّ المعركة الأصعب ليست مع المنع، لكنها مع التدريب والمران وخوض المغامرات الأدبيّة من أوسع أبوابها النبيلة، والنبيلة فقط.
ما هو الرابط بين الألم والكتابة في تجربتكِ ؟ وهل ترينَ أن جلد الذات وسيلة لولادة كاتب حقيقي ؟
لكلّ شيء قلب وقلب القلب البوح، تجربتي مع الألم مختلفة بعض الشيء، لأنّني أعدّه ولّادًا لكلّ إنجاز، بل صانعًا ماهرًا لحياة جديدة، لكنّني أجد نفسي وُلدت من تراكم لا يُحصى من تجارب الكتّاب، ومن مراقبة العلاقة المعقّدة بين الألم واللّغة، ومن هذا المنطلق أقول:
الألم ليس شرطًا للكتابة، لكنّه أحد أقسى معلّميها؛ فهو لا يمنح الكاتب الموهبة، بل يجرّده من أناه، ليزيل الزوائد، يكسر الأوهام، ويجبر لغته التي ترتقي بإنسانيّته، فيمكن لها أن تصنع المعجزات أو تموت. كثير من النصوص القويّة لم تُكتب لأن صاحبها تألّم، لكنّه الألم يا سادة ملك المواهب وملك المعجزات.
أمّا عن جلد الذات؛ فهنا يجب أن نكون حذرين، لأنّ جلد الذات لا يلد كاتبًا حقيقيًا، بل يلد كاتبًا مكسورًا يخلط بين القسوة والعمق، إذ نجد فرقًا جوهريًّا بين أن تنظر إلى ذاتك بلا تزييف، وأن تُعاقبها كي تثبت استحقاقك للكتابة فالأوّل وعي، والثاني استنزاف.
الكاتب الحقيقيّ يُولَد من التكيّف والتأقلم مع الذات والحياة، لا من المواجهة معها، ومن القدرة على تحويل الألم إلى معرفة، لا إلى هوية دائمة.
أخطر ما يمكن أن يحدث للكاتب هو أن يعتقد أن عليه أن يتألّم ليكون صادقًا.
الصّدق أيّها الأعزّاء أعمق من ذلك، أحيانًا يكون في الرحمة، في الفهم، في المسافة التي نأخذها عن جراحنا لنراها بوضوح.
الألم قد يفتح الباب،
لكن الفكر هو من يكتب،
ومن يجلد ذاته طويلًا، قد يكتب،
لكن نادرًا ما يكون كاتبًا حقيقيًّا.
هل تعتقدين أن القارئ أذكى مما نتصوّر، أم أننا نستخف به تحت اسم “التبسيط”؟
القارئ أذكى بكثير مما نتصوّر، ونحن في حالات كثيرة نُسيء إليه باسم “التبسيط”؛ فالتبسيط الحقيقيّ هو الوضوح دون تسطيح والتلميح البليغ الذي يعلّم الذكاء اللّغويّ.
أمّا ما يُمارَس اليوم؛ فهو افتراض مسبق بكسل القارئ، أو لعلّه خوف من فقدانه، فنقدّم له نصًّا يمشي على عكّاز الشرح الزائد، ويُفرَغ من الإيحاء، ويُقال فيه كلّ شيء كي لا يُساء الفهم والنتيجة؟ قارئ يُحرَم من متعة الاكتشاف، ومن متعة التوقّع والتأمّل، والقارئ الجيد لا يريد أن تُمسَك يده طوال الطريق،
يريد مساحة ليشارك، ليُخطئ في التأويل، ليعود إلى جملة أربكته. القراءة فعل ذكيّ بطبيعته، حتى عند القارئ “العادي” الاستخفاف يبدأ حين نخلط بين عدم التعقيد وبين الفراغ.
إنّ كثيرًا من النصوص المبسّطة لا تُحتَرَم طويلًا،
بينما نصوص أكثر جرأة في البناء، وأقلّ شرحًا، تعيش لأنّها تثق بقارئها.
ربّما المشكلة ليست في القارئ،
بل في خوف الكاتب أو الناشر،
خوف من الغموض، من عدم وصول الفكرة، أو من الصمت بين السطور.
القارئ لا يحتاج إلى نصّ أسهل،
يحتاج إلى نصّ صادق، جيّد الصنع، ويؤمن أن الذكاء قابل للعدوى.
وعندما نكتب والقصد في ذلك القارئ الذكيّ، غالبًا ما يصبح كذلك فعلًا.

هل صنعتِ اسمكِ بالكتابة… أم بالإدارة الذكية لصورتك الثقافية؟
إن أخذنا السؤال بوصفه مرآةً لا اختبارًا؛ فالإجابة الأعمق هي أنّه
في زمننا، نادرًا ما يُصنع الاسم بالكتابة وحدها.
إنّ الإدارة الذكيّة للصورة الثقافيّة صارت مهارة قائمة بذاتها، متى تظهر، كيف تصمت، ماذا تقول، ولمن تتوجّه؛ فالكاتب كائن اجتماعيّ، والنصّ لا يعيش من فراغ أو سراب، لأنّ الكاتب يولد من رحم التجارب والخبرات الحلوة والمرّة، لكنّ الخطر يبدأ عندما تصبح الصورة أسبق من النصّ، ويُكتَب ما يخدم الاسم لا ما يخدم الفكرة والهدف.
إنّ الفرق الجوهريّ هنا، هو أنّ
الكاتب الذي يكتب ثمّ يتدبّر كيف يُرى،
وكاتب آخر يتدبّر كيف يُرى ثمّ يكتب،
الأوّل قد يتأخّر اسمه، لكنّه يبقى،
الثاني يلمع سريعًا، ثمّ يبهت حين تتغيّر الإضاءة.
ولو كان لي “اسم” بالمعنى الرمزيّ، فهو يتشكّل فقط من خلال الإنصات الجادّ، واحترام الأفكار المتنوّعة، والصدق في التعبير والنبل في الهدف، وفي عدم التزيّن بما لا أملك، وتقبّل الآخر مهما كان الاختلاف كبيرًا.
أمّا بالنسبة للكاتب الحقيقيّ؛ فاسمه يُصنع عندما لا يرتبط نصّه بصورته، وعندما يُقرأ بعد أن تُنسى سيرته، وعندما لا يحتاج القارئ أن يعرف “من هو”، ومن هذه المحصّلة يشعر الكاتب أنّ ما كتبه كان ضروريًا.
هل أنتِ هنا لأنكِ تستحقين المكان… أم لأنكِ أحسنتِ البقاء فيه؟
نعم، لقد أحسنت البقاء من خلال العمل الجاد على نشر كلّ ما يدفعني نحو التكامل مع إنسانيّتي، أحاول أن أستحقّ الوجود في كلّ مرّة.
أن نقرأ البقاء، ذلك أن ننصت أكثر ممّا نتكلم، أن نعرف متى نتقدّم ومتى نحذر، البقاء وحده لا يكفي، لكنّه شرطٌ كي يُختبَر الاستحقاق أصلًا.
نعم أبقى، ما دمتُ أضيف ولا أزاحم، وما دمتُ أفتح أسئلة ولا أغلقها، وما دمتُ لا أتعامل مع عملي كحقّ مكتسب، بل كمسؤوليّة كبيرة ملقاة على قلبي أتعامل معها برقيّ الإنسان الحقيقيّ، لأنّ البقاء هو سبيل للارتقاء نحو الكمال، البقاء يعني الأثر الجميل
يعني التغيير يعني ايقاظ الضمير، البقاء يعني الرؤيا بنقاء.
كنتم مع مديرة الصفحة الثقافية الفنية لمجلة كواليس : دلال موسى
كل الحب لقلبكم والى اللقاء في الحلقة القادمة
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
