هل كتب ميكيافيللي هذا الهراء !!!

 

د. بسّام أبو عبد الله

23 كانون الأول / ديسمبر 2025

لم يكن نيكولو ميكيافيللي يوما” ذلك الكاريكاتير الفكري الذي يُروّج له اليوم عبر نصوص مبتذلة ، منسوخة، منتحلة، تُلصق باسمه بلا أدنى تدقيق أو مسؤولية معرفية. وما يُتداول على نطاق واسع من “نصائح” منسوبة إليه، تمجّد النفاق، وتحوّل التزلّف إلى فضيلة سياسية، ليس سوى مثال صارخ على ثقافة القصّ واللصق، التي لا تسيء إلى مفكر بعينه فحسب، بل تُفسد الوعي العام، وتحوّل الفكر السياسي إلى مادة دعائية
رخيصة.

إن الدفاع عن ميكيافيللي هنا ليس دفاعا” أيديولوجيا” عنه، بل دفاع عن الأمانة الفكرية ، وعن حق القارئ في معرفة ما كُتب فعلا” لا ما أُلصق زورا” .

أولا” – ميكيافيللي (1469–1527) مفكر وسياسي إيطالي، عاش في زمن كانت فيه إيطاليا دولة بالاسم، ومجموعة دويلات متصارعة بالفعل . فلورنسا، البندقية، ميلانو، الولايات البابوية، نابولي ، وكلها ساحة مفتوحة لتدخل فرنسي وإسباني مباشر. كان موظف دولة في جمهورية فلورنسا، ودبلوماسيا” رفيع المستوى ، ثم سقطت الجمهورية عام 1512، وعاد آل ميديشي إلى الحكم، فاعتُقل ميكيافيللي، وعُذّب، ونُفي.

في هذا السياق كتب كتاب الأمير عام 1513، لا كواعظ أخلاقي، ولا كمنظّر للطغيان، بل كمحاولة لفهم سؤال وجودي: كيف تُنقَذ الدولة عندما تنهار؟
الكتاب هو ابن لحظة تفكك ، وجهد وطني إيطالي لإنقاذ بلاده ، وشعبه .

ثانيا” – الأمير الذي أُهدي إليه الكتاب هو لورينزو دي ميديشي الابن، الحاكم الشاب لفلورنسا. لكن “الأمير” في الكتاب ليس مجرد شخص، بل نموذج للحاكم الجديد الذي يصل إلى السلطة في ظروف استثنائية : انهيار نظام سابق، غياب المؤسسات ، وتدخل خارجي.

لم يكن ميكيافيللي يمدح الأمير، بل يخاطبه بوصفه أداة محتملة لإنقاذ الدولة . بل إن الهدف النهائي الذي صرّح به في الفصل الأخير من الكتاب هو توحيد إيطاليا وطرد القوى الأجنبية. وهذا ما يُهمَل عمدا” في القراءات السطحية.

ثالثا” – النص الشائع الذي ينصح الأمير بالإكثار من المنافقين، وتشجيعهم، واتخاذهم “جيشا” داخليا”، لا وجود له في الأمير ولا في أي من كتابات ميكيافيللي.

بل على العكس تماما”، ففي الفصل الثالث والعشرين، المعنون : كيف يتجنب الأمير المتملقين، يحذّر ميكيافيللي صراحة من المتملقين، ويعتبرهم من أخطر ما يهدد الحاكم، لأنهم : يعزلونه عن الحقيقة ، يغذّون أوهامه ، ويقودونه إلى قرارات كارثية .

وينصح بأن يحيط نفسه بعدد محدود من المستشارين الحكماء، لا ليُرضوه، بل ليقولوا له الحقيقة، شرط أن يتكلموا حين يُسألون، وبلا خوف ولا مجاملة.

رابعا” – يميّز ميكيافيللي بوضوح بين الولاء والتزلّف ،فالولاء علاقة مصلحة عامة واستقرار سياسي ، أما النفاق فهو مرض بنيوي في السلطة ، لا أداة حكم.

ولهذا فإن اللغة المنسوبة إليه في النصوص المنحولة — لغة الشتيمة، والاحتقار، والتشبيه الحيواني — ليست لغته. ميكيافيللي لا يشتم ولا يعظ، بل يكتب ببرود تحليلي صارم.

خامسا” – «الغاية تبرر الوسيلة»… المقولة التي لم يقلها
من أكثر الأفكار تزويرا” عنه ، فهذه العبارة لم ترد نصا” في الأمير ولا في غيره من أعماله . هي صياغة لاحقة، لاهوتية وجدلية، اختُزل بها فكر معقّد في جملة مبتورة.

ما ناقشه ميكيافيللي هو حالة استثنائية:

خصوصًا في فصول مثل الفصل السابع والثامن والعاشر، أن الحاكم يجب أن يكون مستعدا” لاستخدام الوسائل الضرورية للحفاظ على السلطة واستقرار الدولة، بما في ذلك الخداع أو القوة أو القسوة، إذا اقتضت الحاجة ، لكن الكتاب لا يقدم صياغة صريحة من هذا النوع.

على سبيل المثال، في الفصل الثامن عن “الأخلاق والسياسة”، يقول ميكيافيلي حرفياً :
«لأن الإنسان يبالغ في الإيحاء بما يجب أن يكون عليه وليس بما هو عليه، فإنه ينبغي على الأمير أن يعرف كيف يتصرف مثل الثعلب والأسد معا” : الثعلب ليدرك الفخاخ، والأسد ليخيف الذئاب.»

وفي الفصل السابع يقول عن اكتساب القوة:
«من يرى الناس كما هم ، لا كما ينبغي أن يكونوا، سيكتشف أن الفضيلة وحدها لا تكفي للحفاظ على الدولة. لذلك يجب على الأمير أن يكون مستعدا” للقيام بما هو ضروري، سواء كان صحيحا” أم خطأ، للحفاظ على السلطة والأمن.»

إذن : جوهر ما يُختصر في عبارة “الغاية تبرر الوسيلة” هو الفكرة العملية عند ميكيافيلي بأن الحفاظ على الدولة والسلطة يتطلب أحيانا” تجاوز القواعد الأخلاقية التقليدية، ولكنه لم يقلها بهذه الكلمات.

سادسا” – الأمير كتاب مرحلة انتقالية لا عقيدة دائمة، إذ كان ميكيافيللي جمهوري الهوى، وكتب لاحقا” المطارحات مدافعا” عن النظام الجمهوري.

كتاب الأمير ليس إنجيل الاستبداد، بل دليل إدارة لحظة انهيار ، ووسيلة انتقالية لإنقاذ الدولة ، لا غاية أبدية.

سابعا” – خطورة النصوص المنحولة لا تكمن فقط في كذبها، بل في وظيفتها: تبرير الاستبداد، وتسويغ القمع، وتحويل ميكيافيللي إلى شاهد زور.
الاقتباس بلا مصدر، والفكرة بلا سياق، تقتل الفكر مرتين: مرة بالتشويه، ومرة بالتداول الأعمى.

ثامنا” – ان أوجه الشبه واضحة بين سورية الآن وإيطاليا آنذاك : دولة ممزقة، تدخلات خارجية، سلطات متنازعة، مجتمع منهك.

لكن الاختلاف أخطر: إيطاليا كانت تبحث عن شكل الدولة، أما سورية اليوم فهي مهددة بفقدان فكرة الدولة ذاتها.

تاسعا” – لو كنتُ “ميكيافيللي السوري”… ماذا أنصح؟
من روح الأمير لا بحرفه، يمكن استخلاص النصائح التالية لأي زعيم وطني سوري:

١- اجعل وحدة الدولة أولوية تتقدّم على وحدة السلطة؛ فالدولة التي تُختزل في الحاكم تزول بزواله، بينما الدولة التي تُبنى على عقد جامع تبقى رغم تغيّر الحكّام.

٢- احذر من البطانة الأيديولوجية والمليشياوية ، فهؤلاء يشبهون المرتزقة الذين حذّر منهم ميكيافيللي، يقاتلون معك اليوم، ويبيعونك غدا” عند تغيّر موازين القوة.

٣- لا تحكم بالخوف وحده، فالخوف المنضبط قد يحفظ النظام مؤقتا” ، أمّا الرعب فيُنتج كراهية متراكمة ، لا تلبث أن تنفجر عند أول تصدّع.

٤- لا تُقصِ المجتمع باسم الضرورة السياسية ، فالشرعية، حتى في أقسى نظريات الواقعية السياسية، لا تُستمد من السلاح وحده، أو الدعم الخارجي ، بل من حدٍّ أدنى من القبول العام.

٥- ميّز بين الصرامة والانتقام ، فالصرامة تُعيد النظام وتفرض هيبة القانون، أمّا الانتقام فيؤسّس لدوائر ثأر لا تنتهي، ويقوّض فكرة الدولة من أساسها.

٦- افتح أذنك للحقيقة لا للهتاف ، فأخطر لحظة على أي حاكم هي تلك التي يختلط عليه فيها صوته بصوت الوطن، ويظن أن الإجماع المصنوع حقيقة.

عاشرا” – وأخيرا” – في المحصلة ، ميكيافيللي لم يكن منظّر النفاق، ولا واعظ الشر، ولا صاحب مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” كما تردد بلا وعي . كان محللا” قاسيا” للسلطة، كاشفا” لأمراضها، ومحذرا” من عزلتها عن الحقيقة والمجتمع . أما النصوص السخيفة المنسوبة إليه، فهي نتاج عصر يكره القراءة ، ويعشق التزوير، ويستبدل الفكر بالصورة .
ولعل أنسب ما يُختم به هذا التوضيح مقولة أصلية له، تلخّص فكره وتنسف كل هذا العبث:
«لا شيء يُفسد الأمير أكثر من المتملقين، لأن الناس لا يستطيعون قول الحقيقة لك إلا إذا سمحتَ لهم بذلك.»

شاهد أيضاً

🛑*إيهود باراك: لبنان عنوان الفشل الإسرائيلي.. حزب الله باقٍ ونتنياهو بدد الفرص وأغرق إسرائيل في الاستنزاف*

*وكالة وطن**هاجم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق ايهود باراك حكومة بنيامين نتنياهو، معتبراً أن ما يجري …