*نحو فهمٍ إنسانيٍّ خارج القوالب: قراءة واقعية*

*نصوصٌ حُرّة*

د.غَازِي مُنير قانْصُو

المَرءُ إنسانٌ بالمحاولة والشعور والمُعاملة، لا بالكمال الدائم، لأن الكمال، على جمالِ روعتِه هو مستحيلُ الإمكان، بينما المحاولة حياةٌ حقيقيةٌ.
لا يُقاسُ المرءُ بقممٍ ثابتة، أحرزها أم ورثها، بل بخطواتِه نحو حياةٍ كريمةٍ، ولو كانت خُطاهُ متعثّرةً، تمضي على الرّغمِ مِن ضعفه واستعجالِه، وبقلبٍ يواصل الإحساس حتى حين ترهقه الأحاسيسُ.

إنسانيتُنا تُصاغُ حالَ الإرتعادِ في السؤال مع شعورِنا بالإحراج، وحالَ القُدرةِ على أن نشعر، كما نحنُ، دون أن نمتلكَ أجوبةً مُكتملةً، ولن نمتلِك!

إنّ شجاعةَ الإعترافِ بحقائقِ الواقِع، تصنع إنسانًا صادقًا، حقيقيًا، فالإعترافُ ليس ضَعفًا، بل هُو انعتاقٌ من قِناع الزَّيف أو الضّعفِ أو الخطأ أو التيجان أو الأسوار المُختلفة أو مِمّا نظُنُّهُ صوابًا في حين انه يحتمِلُ أجوبةً مُتنوِّعة. من يعترف بحقائقِ الوُجُودِ المُتنوِّعَةِ؛ الخطأ والصواب، القوّة والمحدوديّة، الإمكان والنُّقصان، الرِّبح والخُسران، اليُسر والعُسر، الاكتفاء والحاجة، لا يُنقِص مِن قَدرِه، بل يستردُّه!

الصِّدقُ مع الذّات هو أولُ أبوابِ السّلامِ الدّاخلي، وهو بمعنى مِن المعاني صِدقٌ مع اللهِ تعالى، ومن لا يَجرؤ على مواجهة نفسِه، لن يَقدِر على مواجهةِ العَالمِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوه، فكيف بالجوابِ يوم السؤالِ العظيم.

المَرءُ يَبلُغُ إنسانيتَه بقبُولِ أمثالِه وأقرانِه ونظرائِه بل وَمًن هم دُونه ومَن هُم أسمى مرتبة، مع اختلاف النَّظرِ بالمراتبِ والأهميّة، فلكل أهميتُه مهما كانت مرتبتُه الدنيوية، نقبلُهُ دُون شروط وتصنيفات، ودون تفسيراتٍ وتخمينات.

القَبُولُ هو لغةٌ صحيحةٌ ما قبل الأَحكامِ، على أنواعِ تصنيفاتِها، مُسبقةً كانت أم متأخِّرةً، إنّهُ مساحةٌ تتلاشى فيها الألقابُ والهوياتُ على اختلافِها وأهميتِها ودرجتِها وصفتِها. والاحتضانُ كما القَبُول، فحين نحتضنُ الآخرَ كما هُو، لا كما نريدُه، نعيد لِلمرءِ الإنسان قيمتَه الأولى، الّتِي كرّمَهُ اللهُ بِها، حين كرَّم بنِي آدَم؛ كائنًا يستحقُّ القُرب، لا الفحص، ويستحقّ الدِّفء، لا التصنيف، ويستحقُّ الاحترام لا العَسف، ويستحقُّ الاهتمامَ لا النُّكران، ويستحقّ العدالة لا الحَيف، ويستحق الانصاف لا الإجْحاف.

التّحَرُّرُ من القوالب الثابتة أو الجامدة، مهما كانت صِحَّتُها، فهي نسبيةٌ غالبًا، يُكرِّسُ الاختلافَ إنسانيًّا، بشكلٍ إيجابي، سليمٍ ومُعافَى. فالاختلاف ليس خللًا يُصحَّح، بل هو حقيقةٌ تُحتَرَم. وحين نكسِرُ جمودَ القوالبِ التي صُنعت على مقاسِ زمانٍ ومكانٍ مُحَدَّدَين، نكتشفُ أنّ التّنوّعَ ليس تهديدًا، بل هو إثراءٌ، وأن الإنسان لا يكون على وئام، مع نفسِه ونُظرائِه مِن الخَلقِ، إلا حينَ يَقبلُ أنْ يكونَ مُتعدِّدًا، لا كما ينبغي أن يكون، مِن وجهة نظرِنا، بل كما هو في الواقع؛ في صدقِه، وهشاشتِه، وضعفِه، وقوَّتِه، وحاجتِه، وجَمالِ محاولتِه، وخَلُوصِ اندفاعتِه، وجهلِهِ، ومَعرِفَتِه، فهو عبدٌ لِلهِ تعالى وليسَ لأحدٍ آخر كان.

مَع تَحِيّاتِي،
د.غَازِي مُنير قانْصُو
الإثنين، الواقعُ فِيه ٢٢ ك٢ ٢٠٢٥م.

شاهد أيضاً

🛑*إيهود باراك: لبنان عنوان الفشل الإسرائيلي.. حزب الله باقٍ ونتنياهو بدد الفرص وأغرق إسرائيل في الاستنزاف*

*وكالة وطن**هاجم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق ايهود باراك حكومة بنيامين نتنياهو، معتبراً أن ما يجري …