إشكاليات مشروعنا الحضارى

 د. محمد السعيد إدريس

لا أظن أن لدينا خلافات فى حقنا، بل واجبنا أن يكون لنا مشروعنا الحضارى الذى يعنى أن نمتلك نموذجًا للتقدم والنهوض له مذاق حضارتنا التاريخية، والحضارة التى أعنيها هى «الحضارة العربية الإسلامية» التى منها نهل الغرب كله معرفته وثورته التحديثية والمعرفية، ومن ثم فهى حضارة تدعونا كى نفاخر ونعتز بها بين الأمم والحضارات الأخرى. هى أضحت، بحكم الواقع الذى نعيشه، شأنًا تاريخيًا، وربما تاريخًا نتحسر عليه، مقارنة بما نحن فيه من تخلف وانقسامات وصراعات على كل المستويات، لكن رغم ذلك هى المرتجى الذى يجب أن نسعى إليه ونستحضره، ونناقشه وننتقده ونقيمه، ونصحح الأخطاء، ومنه نبدأ مشروعنا الحضارى الجديد، فى وقت أصبحت الصراعات الجوهرية على مستوى قيادة النظام العالمى «صراعات بين الحضارات» ولم تعد صراعًا بين الأيديولوجيات.

والسؤال المهم الذى يجب أن يشغلنا ونحن نفكر فى إعادة بعث مشروعنا الحضارى العربى الإسلامى لتحديثه وعصرنته ليكون مشروع حاضر ومستقبل وليس مشروعًا ماضويًا، هو كيف لنا أن نتوحد عقليًا وفكريًا نحن أبناء «الأمة العربية» حول ضرورة هذا المشروع، وحول أهم أهدافه ومعالمه، وما سبل تحقيقه وتحويله من مجرد «أحلام» إلى واقع ملموس قابل للتحقيق.

طرح هذا السؤال بتفريعاته يتضمن معنى محددًا، وهو أننا نحن العرب، لسنا على قلب رجل واحد، ولسنا على توافق حول هذا المشروع، ولسنا على وعى بأنه يكاد يكون «شعاع النور» الوحيد الذى يلوح لنا من أعماق نفقنا المظلم الذى يخنق كل نزعة تهدف إلى الانعتاق من كابوس التخلف الحضارى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى الذى نعيش فيه، فنحن لا نأكل مما نزرع، ولا نلبس مما نصنع، ولا نتداوى بأدوية نصنعها فى بلادنا، وسلاحنا فى معظمه مستورد من الخارج. وفوق كوابيس التخلف والتبعية دُفع بنا دفعًا من أعدائنا نحو الانزلاق، طوعًا وإجبارًا، نحو متاهات التفكك والانقسام والتشرذم، ليس فقط داخل الدول بين مكونات عرقية ودينية وطائفية وجهوية، تهدف إلى إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه من دولنا وأمتنا، بل نعيش التشكك والتفكك والانقسام فى الوعى وفى العقول، وهو الانقسام الذى وصل بنا إلى عمق الانحدار عندما وصل إلى الانحراف بالهوية العربية الجامعة، أى «هويتنا العربية – الإسلامية» التى هى العنوان الكبير لمشروعنا الحضارى النهضوى الذى نأمله ونبتغيه، والانجراف نحو هويات أخرى فرعية ليس لها من مردود غير تعميق الانقسام.

نحن فى حاجة ملحة وحقيقية لفتح حوارات جادة ومؤمنة حول قضايا جوهرية هى من صميم أسس وشروط النهوض الذى نسعى إليه والمشروع الذى نأمله، مثل قضايا «الهوية»، وبالتحديد نزع فتيل الصراع بين دعوة «الهوية الوطنية»: مصرية، أو سورية، أو سعودية، أو جزائرية، أو عراقية.. إلخ، وبين الهوية القومية الجامعة، وقبله نزع فتيل التنازع بين: الهويات الفرعية داخل الدول: سواء كانت هويات عرقية أو دينية أو طائفية وبين «الهوية الوطنية» للدولة، التى تضم كل هؤلاء.

سؤال: كيف يمكن تذويب الهويات الفرعية فى هوية وطنية واحدة، وكيف يمكن تذويب «الهويات الوطنية» فى «هوية عربية جامعة» هو المدخل السليم والآمن للبدء فى التأسيس لمشروعنا النهضوى. إشكالية التنازع حول «الهويات» ليست الإشكالية الوحيدة التى تعوق توجهنا نحو التأسيس لمشروعنا النهضوى، لكن هناك إشكاليات أخرى من أبرزها إشكاليتان شديدتا الخطورة والأهمية فى آن واحد: إشكالية استعادة التوحد حول نظامنا «الإقليمى العربي»، ثم إشكالية التنازع حول «قيادة المشروع النهضوى العربي».

إشكالية استعادة التوحد مجددًا حول النظام العربى، موجودة بقوة هذه الأيام ويعبر عنها بكثير من الدعوات والسياسات منها التشكيك فى جدوى الاستمرار بالعمل ضمن هذا النظام العربى، بدعوى انفراطه وانقساماته، وهشاشة روابطه التى أخذت تتهاوى يومًا بعد يوم وانعدام فاعليته، دون أى تحديد لمسئولية النظام العربى عن هذا التهاوى، وتجنب تحميل دول عربية بعينها مسئولية الانحدار بجدارة النظام العربى، ومسئولية دول إقليمية وأخرى دولية عن هذا الانحدار، ومنها إعطاء البعض، سواء كان هذا البعض دولًا، أو كتابًا ومفكرين من داخل الدولة العربية، لرجاحة دعوة «تذويب النظام العربى فى النظام الإقليمى الشرق أوسطي»، أى أن تكون علاقات الدول العربية بهذا النظام الإقليمى علاقة مباشرة دون حاجز من نظام عربى، دون أى وعى بأن هذا التوجه يعنى نزع «الهوية العربية» عن دولنا العربية، ويعنى خضوعها لهيمنة القوى الإقليمية الكبرى الساعية للهيمنة خاصة الكيان الصهيونى الذى يسعى، بدعم أمريكى، إلى فرض نفسه زعيمًا لنظام إقليمى شرق أوسطى «إسرائيلى الهوية». أما إشكالية التنازع على قيادة «المشروع العربى النهضوي» فهى إشكالية تاريخية متجددة، فرضت نفسها علينا فى عقد الستينيات من القرن الماضى، عندما فرض الصراع المصرى السعودى نفسه، على النظام العربى، فيما عرف وقتها بـ «الحرب الباردة العربية». الآن أخشى أن يتجدد مثل هذا الصراع فى ظل دعوات تحاول عزل مصر كطرف له وزنه القوى فى قيادة المشروع العربى النهضوى، والدفع بقيادات أخرى، سواءً كانت دولة عربية بعينها أو كانت مجموعة من الدول على نحو بعض ما يطرح الآن فى الخليج.

الأخطر أن هناك من اتخذ من الأحداث الدرامية الأخيرة فى غزة وسوريا ولبنان، وما حدث من انكسار لإيران و «محور المقاومة» مبررًا لدعوة ترجيح قيادة ثلاثية للشرق الأوسط: تركية – إسرائيلية – سعودية. مثل هذه القيادة الإقليمية المقترحة تتضمن كارثتين، الأولى هى تعمد تجاهل النظام العربى لمصلحة النظام الإقليمى الأوسع، والثانية تعمد تجاهل مصر كطرف أساسى أو قاعدة أساس فى أى مشروع عربى للنهضة، وتجاهل ضرورة التأسيس لـ «قيادة جماعية عربية»، قادرة على أن توازن بالأمة كلها القوى الإقليمية الكبرى الثلاث: إسرائيل وتركيا وإيران.

كل هذه الإشكاليات تعنى أننا بالفعل يجب أن ننخرط بجدارة فى معركة النهوض بالوعى العربى، وبالعقل العربى، فهى بحق معركتنا الراهنة والمستقبلية.

شاهد أيضاً

🛑*إيهود باراك: لبنان عنوان الفشل الإسرائيلي.. حزب الله باقٍ ونتنياهو بدد الفرص وأغرق إسرائيل في الاستنزاف*

*وكالة وطن**هاجم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق ايهود باراك حكومة بنيامين نتنياهو، معتبراً أن ما يجري …