من يعرف الشهيد قاسم برجاوي «ملاك» يدرك جيداً مدى دقّته في تفاصيل حياته اليومية. دقّةٌ قد يراها البعض مزعجة، وبصراحة كانت تزعجني أنا أيضاً. كان يمكنه، مثلاً، أن يقول لك وأنت تركن سيارتك: «ارجع خمسة سنتيمترات ونصف». ومن باب «التنقير» على دقّته، كنت أردّ عليه: «لماذا النصف؟ لماذا لا تقول خمسة أو ستة؟». فيضحك ويجيب: «لأنك إذا رجعت ستة ستصطدم بالسيارة خلفك، وإذا اكتفيت بخمسة لن يُقفل باب المرأب وسيضرب سيارتك».
معظم من عرفوا «ملاك» عاشوا جانباً من هذه التفاصيل الدقيقة. فهو سيّد الاهتمام بكل صغيرة، لا يطيق الفوضى أو غياب التنسيق. يكفي النظر إلى ملابسه: ثنية القميص والبنطال، نظافة الحذاء اللامعة دائماً. قد تراه ينتعل حذاءً أبيض فتظن أنه جديد، قبل أن تكتشف أنه يملكه منذ سنوات ولا يزال يبدو كأنه خرج لتوّه من العلبة. تلك الدقّة والترتيب لم يظهرا في مظهره فحسب، بل انعكسا على عمله أيضاً. كنت أمازحه قائلاً: «الله يعين اللي بيشتغلوا معك». لم أكن أعرف ما طبيعة عمل «ملاك»، ولا كنت مهتماً بالسؤال. كل ما كنت أعلمه أنّه في «الحزب»، وأن غيابه الطويل جزء من حياته.
شارك قاسم برجاوي في مواجهات وحروب عدة ضد العدو الإسرائيلي ووكلائه، ولم يعرف الخوف طريقاً إليه. كان يدرك تماماً أن الموت قد يبلغه في أي لحظة، ولا سيّما لارتباطه الوثيق بالشهيد هيثم الطبطبائي. بعد حرب الإسناد، ازداد قربه منه وازدادت معها فترات غيابه الطويل. ولأنه يعرف أنّه يعيش في قلب الخطر، ولأن دقّته رافقته في كل تفاصيل حياته، أولى اهتماماً بالغاً بتفاصيل مماته أيضاً. كتب وصيّته بدقّة، ورتّب أغراضه الشخصية بعناية في مكان خاص، كأنه يودّع الحياة على طريقته المرتّبة نفسها.
في الشؤون العائلية، كان «ملاك» يغوص في تفاصيل التفاصيل. يهتمّ بكل من حوله بصمت، من دون أن يحمّل أحداً عبءَ هذا الاهتمام. قد تذكر أمامه أنك تفكّر في شراء درّاجة نارية، فيسألك عن المواصفات بدافع الفضول. وبعد أيام، تفاجأ باتصاله ليخبرك بأنه وجد درّاجة بالمواصفات نفسها في أحد المعارض، بل إنه زار المكان وتحدّث مع صاحبه عن السعر والمميزات. هكذا كان: اهتمامه بالآخرين جزء من تكوينه.
داخل عائلته الصغيرة والكبيرة، كان محبّاً، متابعاً، يسأل عن الجميع حتى لو كانوا على بُعد آلاف الكيلومترات. وفي منزله، كان أكثر حرصاً على تفاصيل البيت من أيّ أحد آخر: يتابع دراسة بناته الثلاث، فاطمة وريم وملاك، ويراقب كل ما يتعلّق بهن. حتى زوجته، إيمان مغنية، ابنة الشهيد فؤاد فايز مغنية الذي اغتالته إسرائيل عام 1992، لا تعرف بعض تفاصيل البيت بقدر ما يعرفها هو. وعندما كان يغيب – وكثيراً ما كان يفعل بحكم عمله – كان يكلّف أحدهم بتأمين حاجات المنزل، لأن «إيمان ما بتعرف».
كان برجاوي صهر الحاج عماد مغنية. حين قرّر الزواج من إيمان، قرع باب «أم عماد» و«أبو عماد» طالباً يدها. ومنذ ذلك اليوم، عايش أحزان آل مغنية الكثيرة، وفي كلّ مرّة كان يُستشهد فيها أحد أفراد العائلة، كانت إيمان تعيش هاجس فقدان زوجها. خلال حرب الإسناد ومرحلة الاغتيالات التي مهّدت لمعركة «أولي البأس»، كانت تتوقع استشهاده في أي لحظة، وتعيش خوفاً يُسكّنه فقط أسلوبه الخاص في طمأنتها.
يوم الأحد، 23 تشرين الثاني 2025، وقعت الغارة على الضاحية الجنوبية. وما إن سرّب إعلام العدو اسم المستهدف، الشهيد هيثم الطبطبائي، حتى أدركت إيمان أن أسوأ مخاوفها صار حقيقة، وأن زوجها لا بد أن يكون إلى جانبه. وعندما تأكد خبر استشهاده، كان ردّ فعلها أقلّ صخباً من مرّات الخوف السابقة؛ فالمصائب الكبيرة، حين تقع، تُنزل على القلب سكينة مدهشة.
اليوم رحل قاسم. ورحيله لم يفتح جرحاً واحداً، بل أعاد فتح كل الأحزان المؤجّلة، وترك فراغاً سيشعر به كل من عرفه. سنفتقد ذاك الذي كان يلتقط أدقّ التفاصيل، ويجعل من الاهتمام فناً ومن الدقّة أسلوب حياة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
