أمين السكافي
اللحظة التي بدأ فيها لبنان المقاومة بإسناد غزة يوم الثامن من أكتوبر لعام ٢٠٢٣، أطلق معها -عن قصد أو عن غير قصد- تغيّرات جذرية في المنطقة، لا زالت تداعياتها تتوالى فصولًا وصولًا إلى حاضرنا المجهول ومستقبلنا الذي لا يُبشّر بخير أبدًا.
فلبنان اليوم، بمناطقه الشيعية -وعذرًا على التعبيرات المذهبية، ولكن هذا هو لبنان- يتعرض بشكل شبه يومي إلى قصف، فتدمير مبانٍ سكنية ما بين الجنوب والبقاع والضاحية، أو استهدافات بشرية على مساحة الوطن كل الوطن، لم تتوقف منذ التوقف من طرف واحد (وهو طرف المقاومة) للعدوان على لبنان، بينما يستمر العدو في إكمال عدوانه على بيئة الثنائي (الشيعي).
لبنان اليوم هو كسفينة ممزقة الأشرعة في بحر هائج، تتلاطم الأمواج العاتية جهات السفينة، وفي الأفق تلوح عاصفة هوجاء لا مثيل لها منذ عام ٨٢، وبما تبقى من أشرعة تأخذنا الرياح والأمطار باتجاه عين العاصفة.
فالتهديدات الصهيونية لم تكتفِ بالخروقات المدمّرة اليومية، بل تسربت معلومات عديدة المصادر، فهل هي للضغط على لبنان السياسي ومقاومته؟ أم أنها تهديدات جدّية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار؟ ومنها ما يُحكى عن دخول الكيان لبنان وصولًا إلى الأولي أو مشارف بيروت، وتحديدًا الضاحية، في محاولة لإعادة سيناريو ٨٢، عندما قام العدو بحصار بيروت حتى تمّ له ما أراد من طرد منظمة التحرير الفلسطينية خارج لبنان، وإنهاء حضورها.
بحسب مراقبين ومحللين، فإن ما يؤيد هذا الطرح هو السعي لعدم التمديد لقوات الطوارئ الدولية، البالغ عددها نحو عشرة آلاف جندي وضابط من ذوي القبعات الزرق.
ولكن، وفي جميع الأحوال، ما الحاجة لوجودها؟ فهي لا تفعل شيئًا إلا احتساب الخروقات، أما دون ذلك، فهي عاجزة أمام التعدي اليومي لقوات الاحتلال.
وأما على الجهة اللبنانية، فهي تقوم بعملها على أكمل وجه في تفتيش ومداهمة الأماكن التي يشك العدو في وجود أسلحة للحزب فيها.
أما ما يُحكى عن تهجير الشيعة إلى العراق، فهذه هرطقة لا تُغني ولا تُسمن من جوع، فالطائفة الشيعية متجذّرة في أرضها، ومن المستحيل أن تترك أراضيها بكل ما يكتنزه من ذكريات وتاريخ وتمضي. وعلى عكس المنظمة عام ٨٢، فهي غادرت بلدًا ليس بلدها في النهاية.
إذا أردنا أن نأخذ هذا الطرح على محمل الجد، فأين هي المقاومة التي أوقفت العدو طيلة ٦٦ يومًا على الحافة الأمامية؟
ماذا ستفعل؟ وما الدور الذي ستقوم بتأديته؟ وهذا الجسد الكبير من المقاومة (حزب الله وأمل وبقية الأحزاب) ماذا سيفعلون؟ وهل سيختفون فجأة كما اختفى الجيش السوري؟ لا أظن أن هذا ممكن.
أضف إلى هذا: ماذا ستكون الأوامر المعطاة للجيش اللبناني؟
هل سيقاتل دفاعًا عن الوطن ويقول بعدها “الأمر لي”؟
أم سيبقى في ثكناته ويخسر حضوره السياسي؟
وماذا سيكون موقف سنّة لبنان تحديدًا؟
هل سيكون الحياد السلبي، أم سينخرطون في معركة الشرف والكرامة الوطنية ضد عدو من المستحيل تقبّله إيديولوجيًا وعقائديًا ودينيًا؟
هنالك أمر غير مفهوم، وهو ما وصلنا أن اتفاق وقف العدوان على لبنان، الذي تم التوقيع عليه من قبل لبنان السياسي، وهو ما عُرف بالتأكيد على القرار الدولي ١٧٠١، يتكلم عن نزع السلاح في جنوب الليطاني.
ولكن، عندما يهدد العدو بنسف مبانٍ في الضاحية، نرى الجيش يذهب لتفقد هذه الأمكنة، إذا ما كانت تحتوي على أسلحة كما قيل أم لا.
فهل يعني هذا أن نزع السلاح يشمل المساحة على امتداد الوطن؟
هذه الأحجية بحاجة إلى جواب، خصوصًا أن الدبلوماسية اللبنانية تتحرك ببطء في هذا المجال، بينما تصب اهتمامها على أمور أخرى، بينما عليها أن تضع موضوع وقف الخروقات، والانسحاب من النقاط الخمس، واستعادة الأسرى، على رأس سُلّم أولوياتها.
أمين السكافي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
