ريما فارس
لم يأتِ الشيعة إلى لبنان في ظرفٍ عابر، ولم تفرضهم معادلات ما بعد الاستقلال. كانوا هنا منذ البدايات، عندما كانت البلاد لا تزال تحت حكم البيزنطيين ثم العرب، وبدأت بذور التشيّع تنمو في قرى جبل عامل منذ القرن السابع الميلادي، بعد فاجعة كربلاء، حيث لجأ بعض السادة والموالين إلى هذه المناطق طلبًا للأمان ونشرًا للفكر العلوي.
وفي عهد الدولة الفاطمية (969–1171م)، تحوّل جنوب لبنان والبقاع إلى مركز ثقافي وعلمي شيعي، بدعم رسمي من الخلافة الشيعية الوحيدة في التاريخ الإسلامي. وقد أنشئت المساجد والمدارس آنذاك، وسجّل الرحالة المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم (القرن 10م) أن التشيّع كان مهيمنًا على جبل عامل.
في القرن الرابع عشر، ظهر الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (1334–1384م)، من بلدة جزين الجنوبية، الذي ألّف كتاب اللمعة الدمشقية، وأُعدم في دمشق بتهمة “التشيّع” أيام حكم المماليك. هذا دليل واضح على أن علماء جبل عامل كانوا مؤسسين لحياة علمية قبل نشوء أي كيان لبناني بقرون.
تلاه الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي (1506–1558م) من بلدة جباع، الذي سافر إلى إسطنبول والتقى كبار العلماء المسلمين هناك، ثم قُتل في طريق العودة، أيضًا بسبب مذهبه. فهل يُطارد رجلٌ علم في السلطنة العثمانية ويُعدم، إن لم يكن له حضور وتأثير كبيران؟
أما البقاع الشمالي، فقد احتضن العشائر الشيعية منذ عصور مبكرة. تُثبت سجلات القرن السابع عشر وجود آل جعفر في الهرمل، وآل زعيتر في بعلبك، وآل نصر الدين في العين، وآل شمص في بوداي. ولم تكن هذه مجرّد عائلات، بل مراكز نفوذٍ عشائري واجتماعي حافظت على التشيّع رغم الملاحقات العثمانية.
بل إن السلطنة العثمانية أرسلت أكثر من حملة عسكرية على الهرمل والجنوب لنزع السلاح وملاحقة علماء الشيعة، الذين كانوا مستقلين في فقههم وتعليمهم، مثل الشيخ ناصيف النصار، الذي اغتاله الأتراك سنة 1781م بعد أن أقام حكمًا مستقلاً في جبل عامل.
عند إعلان لبنان الكبير سنة 1920، لم يُمثّل الشيعة بالشكل العادل، رغم أن مناطقهم شكّلت ثلث الأرض. وقد شارك الزعماء الشيعة في مقاومة الانتداب الفرنسي، وكان أبرزهم السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي طالب بمساواة الشيعة بغيرهم، وكان خطيبًا مفوّهًا يجمع بين الدين والسياسة.
بل أكثر من ذلك، أن أول مقاومة فعلية ضد الاحتلال الإسرائيلي بدأت من جنوب الشيعة، قبل أن تتبنّاها أي جهة رسمية. وأول من رفع السلاح كان من أبناء عيترون، ياطر، كونين، عدشيت، وبنت جبيل.
فهل يجوز وصف من قدّم الشهداء وبنى الحوزات وقاوم الاحتلال بأنه “طارئ” على البلاد؟
قبل أن تُقسّم الوزارات، وقبل أن يُكتب دستور 1926، كان في جبل عامل علم، وفي بعلبك كرامة، وفي الجنوب دماء. الشيعة ليسوا مجرد طائفة، بل هم ذاكرة هذه الأرض، وسندها حين تضعف. ومن يُنكرهم، إنما يُنكر تاريخ لبنان الحقيقي.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
