سلوى دبوق
إذا كنت تظنُّ أن القلب مجرد عضلة تنبض في جسمك، فاستعد لأن يُعيد فينسنت إم. فيغيريدو تعريف كل ما كنت تعتقده في كتابه «التاريخ العجيب للقلب» (2023) الصادر أخيراً عن« صفحة سبعة للنشر» (ترجمة مدى شريقي). هذا الكتاب ليس مجرد بحث علمي جاف عن القلب؛ بل رحلة مثيرة تُبحر بك في بحرٍ من المعرفة عبر تاريخ البشرية، حيث يلتقي العلم بالفن والثقافة في مشهد واحد. في هذا الكتاب الشيِّق، يقدّم فيغيريدو، الطبيب الأميركي ذو الخبرة الواسعة في أمراض القلب، شرحاً ممتعاً لكيفية حصول القلب على هذه المكانة التاريخية الرفيعة، ولماذا حان الوقت للتوقف عن التفكير فيه كمضخّة ميكانيكية تُؤمّن تدفّق الدم، والبدء في إعادة تقييم دوره العميق في حياة الإنسان.
يبدأ الكتاب بالغوص في الرمزية الأولى للقلب كرمز للحياة. يعرض المؤلف اكتشاف لوحة الماموث في كهف بيندال في إسبانيا، التي تعود إلى ما بين 14,000 و20,000 سنة مضت، حيث يظهر قلب مرسوم كهدف، ما يشير إلى فهم بدائي لدور القلب في الحياة والموت. ويمتد هذا الفهم البدائي عبر التاريخ القديم، إذ نجد في ملحمة جلجامش (2600 ق.م) أول إشارة تاريخية إلى قياس النبض عبر وصف توقّف نبض قلب أنكيدو كعلامة للموت.
كانت الحضارات القديمة مثل المصرية والهندية والصينية تؤمن بأنّ القلب هو مقر الروح وأنه هو «مدير العمليات» في الجسم. في مصر الفرعونية، كان القلب يُوزن بعد الموت لتحديد مصير الروح في الآخرة! «لم يكن المصريون القدماء يسألون عن معدل الذكاء أو قوة العضلات، بل كان اهتمامهم ينصب فقط على وزن القلب مقارنة بـ«ريشة ماعت»؛ فالقلب المثقل بالخطيئة يقود صاحبه إلى الفناء الأبدي. في الصين، كان القلب هو «الإمبراطور» الذي يتحكم في الأعضاء الأخرى. أما في الهند، فكان يُنظر إلى القلب على أنه مصدر الوعي والحياة الروحية.
يثير هذا الأمر تساؤلاً حول ما إذا كان القلب يحمل ذكريات، ما يفتح المجال لنقاش فلسفي وعلمي عميق
كانت النظرية السائدة آنذاك هي «مركزية القلب»، التي افترضت أن القلب منشأ المشاعر والإدراك ومقر الروح، بينما كان الدماغ يُنظر إليه كعضو ثانوي لا يتعدى دوره إنتاج المخاط. لكن مع مرور الزمن، ظهرت نظرية «مركزية الدماغ»، التي نقلت دور المشاعر والإدراك إلى الدماغ. مثّل هذا الصراع الفكري حكيمان بارزان: أبقراط الذي دافع عن دور الدماغ المحوري، وأرسطو الذي انحاز إلى القلب. وقد كُتبت الغلبة لأفكار أرسطو، إذ تبناها الرومان وحافظت عليها الكنيسة الكاثوليكية بعد سقوط إمبراطوريتهم، حتى أصبحت المرجع المعتمد في فهم وظائف الجسم.
يستعرض المؤلف كيف تراجعت المعرفة الطبية بالقلب بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، نتيجة لسيطرة الكنيسة الكاثوليكية التي حظرت التشريحات البشرية، وقمعت التطوّر العلمي. في المقابل، شهد العالم الإسلامي تقدماً كبيراً في الطب، إذ أسهم علماء مثل الرازي وابن سينا بمساهمات رائدة في فهم أمراض القلب وعلاجها، وكان ابن النفيس أول من وصف الدورة الدموية الرئوية بدقة.
ومع إنشاء الجامعات في القرن الحادي عشر وانتشار النصوص الطبية العربية المستندة إلى معارف الإغريق والرومان، بدأ الفكر الأوروبي يتحرّر تدريجاً من قيود الكنيسة. في عصر النهضة، شهدت المعرفة الطبية بالقلب تطوراً ملحوظاً، إذ أقبل الفنانون على جلسات التشريح لتصوير الجسم البشري بدقة. ومن أبرز هؤلاء ليوناردو دا فينشي، الذي يُنسب إليه اكتشاف ووصف تصلُّب الشرايين الناتج من ترسُّب الكوليسترول.
يستعرض الكاتب أيضاً تطور رمز القلب في الفن والأدب والموسيقى عبر العصور. في الفن، بدأ استخدام القلب كرمز للحب في العصور الوسطى، إذ ظهر في الأعمال الفنية مثل «رومانس دو لا بوار» و«وثائق الحب» لفرانشيسكو دي باربيرينو. في الأدب، استخدم دانتي أليغييري وجيوفاني بوكاتشيو وويليام شكسبير القلب كرمز للحب والرومانسية. في الموسيقى، أصبح القلب موضوعاً شائعاً في الأغاني منذ عصر النهضة، واستمر استخدامه في الأغاني الحديثة مثل«قلبي له عقل خاص به» و«تركت قلبي في سان فرانسيسكو». في لوحتها «الفرائد» (1939)، استخدمت فريدا كاهلو القلوب التشريحية لتجسد القلوب المكسورة لشخصياتها بعد طلاقها من دييغو ريفيرا. وفي أعمال هنري ماتيس، مثل لوحة «إيكاروس» (1947)، يظهر قلب أحمر مشعّ في صدر إيكاروس الذي سقط من السماء، ما يعبّر عن الحياة والشغف. كما تحول القلب إلى رمز بارز في الفن المعاصر، مثل لوحة الشارع الشهيرة «الفتاة مع البالون» لبانكسي (2002)، حيث تظهر الفتاة وهي تمد يدها نحو بالون أحمر على شكل قلب.
يمضي الكتاب ليبحث في استخدام القلب في الممارسات الثقافية والدينية، مثل تقديم القلوب كأضاحٍ للآلهة في حضارات مثل الأزتك، بينما في أوروبا كان يتم دفن قلوب الشخصيات البارزة، مثل الملوك، بشكل منفصل كنوع من التكريم. كما يُخصِّص المؤلف فصلاً ممتعاً لتتبع تطوُّر أيقونة القلب الشهيرة (♥)، التي أصبحت رمزاً عالمياً للحب. ويكشف كيف أن هذا الشكل، الذي بدأ كتمثيل خاطئ للتشريح البشري، تحوّل إلى أيقونة تُستخدم في الإيموجي وبطاقات الحب، لتغدو جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا البصرية.
في القرن العشرين، أعاد التقدُّم العلمي صياغة فهمنا للقلب، حيث أصبح يُنظر إليه كآلة معقدة تضخ الدم في جميع أنحاء الجسم، ما أحدث تغييرات جذرية في إدراكنا لوظائفه. ومع ذلك، يثير الكتاب تساؤلات عميقة حول ما إذا كان هذا الفهم الميكانيكي قد اختزل رمزية القلب كموطن للعاطفة والروحانية. يوضح فيغيريدو أن العلاقة بين القلب والدماغ ليست مجرد أسطورة، بل إن العلم الحديث يُثبت أن القلب يرسل إشارات إلى الدماغ بقدر ما يتلقّاها، ما يعزّز دوره المحوري في تنظيم المشاعر. وإضافة إلى ذلك، يناقش الكتاب كيف يُسهم القلب في إفراز «هرمون الحب» (الأوكسيتوسين)، ما يكشف عن دوره الحيوي في تعزيز تفاعلنا العاطفي.
من بين القصص اللافتة التي يرويها الكتاب، حكاية امرأة خضعت لعملية زراعة قلب من شاب صغير. بعد العملية، بدأت تُفضّل أطعمة لم تكن تحبها من قبل، مثل الدجاج المقلي والبيرة، لتكتشف لاحقاً أن هذه الأطعمة كانت المفضلة للمتبرع. يثير هذا الأمر تساؤلاً حول ما إذا كان القلب يحمل ذكريات، ما يفتح المجال لنقاش فلسفي وعلمي عميق. لا يقتصر الحديث عن غرائب القلب هنا، إذ يتناول الكتاب أيضاً «متلازمة القلب المكسور»، وهي حالة تصيب القلب نتيجة صدمة عاطفية شديدة كالفقدان والهجر. تُظهر الأبحاث أنّ الإجهاد العاطفي الحاد يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في شكل القلب ووظائفه، لذا، عندما يخبرك أحدهم بأنه يشعر أنّ قلبه مكسور، لا تستهزئ به؛ فقد تكون حالته طبية حقيقية.
أما في سياق التاريخ، فيسرد الكتاب قصة غريبة عن قلب الملك لويس الرابع عشر الذي فُقد أثناء الثورة الفرنسية (1789–1799)، ثم وصل لاحقاً إلى إنكلترا حيث احتفظ به اللورد هاركورت كقطعة أثرية. وفي عام 1848، خلال احتفال عشاء في منزل هاركورت، عُرض القلب على الضيوف، وبينهم كان ويليام باكلاند، عميد كنيسة وستمنستر والعالم الجيولوجي المعروف بفضوله العلمي. عندما مرّ القلب بين الحضور، قال باكلاند إنه لم يأكل قلب ملك من قبل، ثم وضعه في فمه وأكله قبل أن يتمكن أحد من منعه. هذه الحادثة الغريبة أصبحت إحدى أكثر الحكايات إثارة للدهشة في التاريخ.
في الجزء الأخير من الكتاب، يُسلِّط المؤلف الضوء على استخدام التطوُّر الجيني لإصلاح العيوب الوراثية المُسبّبة لأمراض القلب، مثل تشوهات الصمامات واضطرابات النبض. كما يستعرض الجهود الرائدة في مجال الطباعة الثلاثية الأبعاد للقلب باستخدام خلايا مأخوذة من المريض نفسه، وهي تقنية قد تُحدث ثورة في مجال زراعة الأعضاء. مع ذلك، يطرح المؤلف تساؤلات أخلاقية عميقة حول هذه التقنيات، بما في ذلك استخدام قلوب مُعدّلة جينياً من الحيوانات، مثل الخنازير، لزراعتها في البشر.
هكذا يأخذنا فينسنت فيغيريدو في رحلة مدهشة حول القلب – هذا البطل الصغير النابض في صدورنا. من عصر الماموث إلى عصر التكنولوجيا الحيوية، يُثبت القلب أنه أكثر من مجرد مضخة تعمل على مدار الساعة. إنه نجم متعدد المواهب: تارةً شاعر رومانسي يكتب قصائد الحب، وطوراً فيلسوف يتأمل في أعماق الروح، وأحياناً عالم يتواصل مع الدماغ في حوار لا ينتهي. ومع كل اختراع جديد في عالم الطب ــ من القلوب المُصنّعة في المختبر إلى الأعضاء المعدلة وراثياً ـــ يبقى السؤال الأهم: هل سيأتي يوم نسمع فيه عاشقاً يهمس لحبيبته «أحبك من أعماق قلبي الاصطناعي»؟ أم أن القلب، بكل أسراره وتعقيداته، سيظل يسخر من محاولاتنا الأبدية لفك شيفرته؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
