*بيئتنا بين الأمس واليوم.. حين يختبرنا الله بفقد يوسف ونحن نظن أننا يعقوب

من صفحة طلال نحلة


والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين محمد وآله الطاهرين.

أيها الإخوة المؤمنون.. نحن اليوم في موقف عظيم، عند عتبات امتحانٍ قلّ من يفقه معانيه، وقلّ من يعبره بثبات. أليس الله القائل في كتابه الكريم:

> “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفتَنُونَ” [العنكبوت: 2]؟

لسنا أول من وقف على هذا الطريق، ولن نكون آخر من يعبره، بل هو الدرب الذي سلكه الأنبياء والأولياء والصالحون. طريق البلاء والمحن، ذلك البلاء الذي لا يرفع إلا بعد أن تنكسر النفس لله وحده، وتنقّي قلبها من كل تعلق سوى به.

حين غاب السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه)، بكت القلوب قبل العيون، وهتف شيخٌ في جنازته، شيخٌ لم تكن حكمته في علمه ولا في منصبه، بل في فطرته الصافية التي رددت:

> “يا الله عوّض علينا بسيدٍ مثل السيد.”

كانت تلك الكلمات رجوعًا لله، دعاءً يعبّر عن يقين بأن يد الله لا تُغل، وأنه سبحانه قادر على الإتيان بأمين عام يحمل الراية من بعده.

أما اليوم، فنحن في حال مختلف.. حين نذكر السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، نرى من يردد:

> “لن يأتي بعد السيد حسن مَن هو أفضل منه.”

كلمات تُقال بمحبة، ولكنها تضعنا أمام مرآة الحقيقة.
– هل أصبح ولاؤنا للأشخاص فوق ولائنا للمبدأ؟
– هل تجاوز حبنا للقيادة حبنا للإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟

أين نحن من ذلك النداء الذي لطالما صدح في محافلنا:

> “أرواحنا لمقدمه الفداء.”

هل أصبح السيد أحب إلينا من صاحب العصر والزمان؟ وهل يكون ذلك سببًا في استمرار غيبته عنا؟

الإمام الصادق (عليه السلام) قال:

> “لو أن أشياعنا على استقامة بقلوبهم على الوفاء بالعهد لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا.”

يا إخواني.. الغيبة ليست غيبة الإمام فقط، بل غيبة القلوب عن النور الإلهي. كيف لنا أن ننتظر إمامًا لم نتهيأ لاستقباله؟ كيف ننتظر الفرج ولم نهيئ أرضية الحق في قلوبنا قبل ساحاتنا؟

يعقوب (عليه السلام) فقد يوسف، ولكن فقد يوسف لم يكن عقوبةً، بل تطهيرًا ورفعًا لشأنه. يعقوب كان نبيًا، ولكنه بكى حتى ابيضت عيناه، لأنه لم يفقد ولده فقط، بل فقد الأنس بالله الذي كان يقربه يوسف إليه.

فيا ترى..

– *هل هذا البلاء الذي نزل بنا اليوم هو فقدٌ ليعيدنا إلى الله؟*

– *هل نحن بحاجة إلى أن نفقد لنعرف أن كل ما نملك من الله؟*

أيها الإخوة.. المحاسبة ليست ترفًا، بل هي واجبٌ كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

> “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا.”

فلنسأل أنفسنا بصدق:

– *هل أحببنا القيادة حتى نسينا أن هذه القيادة جزءٌ من المسير، لا المسير نفسه؟*

– *هل أغلقنا أبواب الله في قلوبنا بغير قصد، فجاء هذا البلاء ليعيد فتحها؟*

– *هل وقفنا يومًا مع أنفسنا نسأل: هل في خطنا ظلم أو انحراف يحتاج إلى تصحيح؟*

الإمام المهدي (عجل الله فرجه) غائب، ولكن الغياب الأكبر هو غياب الاستعداد في قلوبنا. ألم يقل (عليه السلام):

> “لو أن أشياعنا على استقامة بقلوبهم على الوفاء بالعهد، لما تأخر عنهم الفرج.”

نحن في مقام التوبة، مقام الاستغفار، مقام العودة إلى الله.
فلنكن كيعقوب، الذي قال:

> “إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ” [يوسف: 86].

إن البلاء نعمة إذا صحبه استغفار، وهو نقمة إذا صحبه غرور وعجب بالنفس.

فلنعُد إلى الله، ونسأله العوض كما عوضنا بعد السيد عباس، وكما عوض الأمة بالأئمة بعد رسول الله.
عوض الله لا ينقطع، ولكننا نحن الذين قد نحجب أنفسنا عنه.

وفي الختام، دعوني أذكّركم بقصة زليخة.. تلك المرأة التي أحبت يوسف (عليه السلام) حبًا ملك قلبها، حتى كان ذكره لا يفارقها، وصورته لا تغيب عن مخيلتها. لكنها حين أدركت أن حب يوسف كان حجابًا بينها وبين الله، قلبت ذلك الحب إلى حبٍّ لله وحده، حتى أصبحت تعبد الله بعشقٍ يفوق عشقها ليوسف.

روي أنها لما بلغت من العمر عتيًّا، وكانت قد فقدت كل شيء، رأت يوسف في موكبه ملكًا لمصر، فأقبلت عليه قائلة:

> “الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدًا بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكًا بطاعتهم.”

فسألها يوسف: “كيف حالك يا زليخة؟”
فأجابته بعيونٍ مطمئنة، وقلبٍ ممتلئ بالله:

> “يا يوسف، لا تسلني عن حب الدنيا، فقد نزع الله حبك من قلبي، وملأه بحبه..”

أيها الإخوة.. هل أدركتم سر هذا التحوّل؟
زليخة التي كانت ترى يوسف أجمل الخلق، رأت في نهاية المطاف أن الله أجمل من كل جمالٍ تراه العين.

وهكذا نحن.. إن كنّا قد أحببنا سماحة الشهيد السعيد (رضوان الله عليه) حبًا فاق حد الاعتدال، فليكن حبنا لله ولصاحب العصر (عجل الله فرجه) أكبر وأعظم. فإن كان سماحته بابًا للولاية، فالإمام هو صاحب الباب، والذي يقود السفينة في بحر الغيبة حتى نصل إلى شاطئ الظهور هو السيد القائد دام ظله.

قال الإمام علي (عليه السلام):

> “ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده.”

فلنملأ قلوبنا بحب الله أولًا، فهو وحده من يعوضنا، ومن إليه المصير. فإن فقدنا يوسف، فالله لا يغيب، وإن غاب السيد، فإن الله باقٍ، وإن طال الانتظار، فإن الوعد حقٌّ لا ريب فيه.

ففي الأدعية المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) نجد نصوصًا روحانية لها وقعٌ عميق وتأثيرٌ بالغ في تهذيب النفس وتعزيز الحب الإلهي. أختم بها رسالتي لكم وهو جزء من مناجاة المحبين للإمام زين العابدين (عليه السلام):

> “إلهي ، مَن ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنكَ بَدَلاً ! ومَن ذَا الَّذي أنِسَ بِقُربِكَ فَابتَغى عَنكَ حِوَلاً ! إلهي ، فَاجعَلنا مِمَّنِ اصطَفَيتَهُ لِقُربِكَ ووِلايَتِكَ ، وأخلَصتَهُ لِوُدِّكَ ومَحَبَّتِكَ ، وشَوَّقتَهُ إلى لِقائِكَ ، ورَضَّيتَهُ بِقَضائِكَ ، ومَنَحتَهُ بِالنَّظَرِ إلى وَجهِكَ ، وحَبَوتَهُ بِرِضاكَ ، وأعَذتَهُ مِن هَجرِكَ وقَلاكَ ، وبَوَّأتَهُ مَقعَدَ الصِّدقِ في جِوارِكَ ، وخَصَصتَهُ بِمَعرِفَتِكَ ، وأهَّلتَهُ لِعِبادَتِكَ ، وهَيَّمتَهُ لاِءِرادَتِكَ ، وَاجتَبَيتَهُ لِمُشاهَدَتِكَ…”

هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شاهد أيضاً

معادلة القوة قبل الطاولة، دروس من طهران وبيروت

  في السياسة، لا يُفرض وقف إطلاق النار بالأمنيات، ولا يُنتزع الأنسحاب من أرضك بالتوسل. …