كلما رماني الدهر بمن يرمي الكلام بلا حساب، أسأل نفسي:” لو ما الحكي ببلاش” أكانت الأبجدية تهطل من لسانه كالشتاء، أم يعتمد “تقنين الحكي” على غرار تقنين الكهرباء؟
… وأنا صغير، أصابني هلعٌ عندما حسمت جدتي أمر ثرثراتي الطفوليَّة بموقف حازم جازم :” ما تحكي كتير أحسن ما تمرض بعيد الشر”!… وفي ذلك العمر النديّ لم يكن بمقدوري أن أحلِّل مغزى هذا التحذير، لكنني أحسست أن ثمة خطرًا في طيَّاته، وأن لساني الرشيق قد يوقعني في لجة بلا قرار، لذا رُحت أقنع أترابي به، فصاروا يشاركونني بثَّ الهلع في قلب أيِّ ولد مشاغب تعب على لسانه، وأتعب الحاضرين بضجيجه !
…ودخلت الأرقام على اللعبة فزادتها إثارة. يومها أقنعت نفسي بأن الرقم”1000″ هو الحد الأقصى لعدد الكلمات التي يمكنني نطقها بأمان، على أساس أنه بعيد المنال، ومهما ثرثرت لن أبلغه، فقد كان بالنسبة إليَّ رقمًا شاهقًا وليس كحال الألف ليرة اليوم.
ولأنني كنت وما زلت أضرب حسابات المستقبل كي لا تضربني غدرات الزمان، صرت ورفاقي نقنِّن الكلام نهارًا، ونعوِّض ما فاتنا من أحاديث ليلًا، متسلِّحين بالمثل القائل” كلام الليل يمحوه النهار”، أي أنه بعملية حسابية بسيطة لن يُسجَّل علينا سوى الكلام النهاري القليل. لكن ثرثراتنا الصيفية على المصطبة القروية الأثيرة أزعجت الجيران، فرفعوا شكوى عاجلة إلى مجلس الأهل، واتُّخذت بحقنا عقوبات جعلتنا نعيد حساباتنا من جديد!
***
أتذكَّر اليوم هذه المشاهد الموغلة في الوجدان كلما صدمتني شاشات التلفزة أو “السوشيال ميديا” بحوار أو تصريح أو تعليق أو تحليل، وأتساءل: ماذا لو صار النطق بألف كلمة خطرًا على الحياة؟ أكانت استمرت هذه الثرثرات؟
رحمكِ الله يا جدتي، ليتكِ بيننا اليوم لتري الناس يطلقون ملايين الكلمات، وتدركي أن السكوت الذي كان من ذهبْ…ذَهَبَ مع الريح، وبات عملة باطلة في زمن ” الكلام الفاضي”!

مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net