أمين السكافي
حاول يحيى جاهدا وجرب الأمر مرارا وتكرارا محاولا أن يشرب من مياه بحر غزة، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل فهو وفي عمره هذا الذي يبلغ السبع سنوات، كان عليه ولشدة ما يعاني هو ومن بقي من أسرته من العطش أن يختبر الأمر بنفسه، رغم كل محاولات والدته إقناعه ولكن كما قيل (الجوع كافر)أما العطش فهو أسوأ بكثير، لقد مضت فترة من الزمن ليست بالقصيرة لم يذق فيها طعم الماء حتى جف حلقه ولسانه وتشققت شفتاه ،وأصبح ينهض بتثاقل لجفاف جسده وجوعه حتى الكلام صار صعبا ليس على يحيى وحده بل على كل من تجمع في خيم النزوح . كان جده يوقظه باكرا ليأخذه معه لأداء الصلاة كانوا يتيممون ويتجمعون في ساحة وسط الخيام، ليقيموا صلاة الفجر كان يحيى لا يمانع في الإستيقاظ باكرا والذهاب مع جده إلى الصلاة، فقد كان يمني النفس بالحصول على بعض الكعك والخبز الذي يتم توزيعه من بعض من من لا زالوا موسرين، ولو قليلا وكان يجتهد من موزع لآخر كي يحصل على كعكة بتمر يدخل بها على أمه وأخوته وأبناء عمومته ، دخول الفاتحين أما الماء فكان السبيل الوحيد له هو إمتصاص الندى فجرا من على كل شيء وأي شيء . كان يجلس في الخيمة عند إشتداد القصف ويتجمع وأخوته في حجر والدته، وفي ظنه الطفولي أن الخيمة التي لاتحميهم من الشمس والمطر ،ستحميهم من القذائف وبعد كل دورة قصف من العدو كان سكان المنطقة يخرجون ليتفقدوا من قتل ومن جرح بعد القصف المجنون الذي نزل عليهم بأعنف الطرق ، شاهد خيمة لا زالت تحترق إقترب منها إنها خيمة رفيق المخيم عمار وأهله، رأى الناس يخرجون الجثث والأشلاء ويرى أحدهم يخرج حاملا عمار بين يديه ،والدم ينزف من غالبية أنحاء جسده وقد قطعت يده ووضع في سيارة الإسعاف وإنطلقت به . صحيح أنه لم يعد هناك مستشفيات تعمل بغزة ولكن لا زالت سيارات الإسعاف تقوم بعملها الروتيني، وفي المستشفى حيث يأخذون الجرحى والموتى يتدبر طاقم المسعفين أمرهم بما تيسر، أطفئت النار التي كادت أن تتمدد لبقية الخيم ودخل يحيى مع الداخلين، وهناك رأى كيف إختلط الدم مع الشحبار الأسود مع الأشلاء ليكونوا لوحة سوداوية، تختصر كل معاناة غزة وفيما هو يتلفت حواليه رأى يد صديقه عمار، نظر إليها ومن ثم نظر إلى يديه هاله ما فكر به أن دوره آت وغدا قد تكون يده هو الملقية على الأرض . كان أباه أسيرا لدى قوات الإحتلال منذ ثلاث سنوات وطبعا التهمة التواصل مع المقاومة، أمسكت أمه بيده فقد كانت تبحث عنه وعادت به إلى خيمتهم جلس يفكر ما وضع عمار الآن، وهل سيعيش أم سيموت وإن عاش ماذا يفعل بيد واحدة وبدون أهل كان من الأفضل لعمار اللحاق بأهله ،فكر يحيى فماذا سيفعل فتى في الثامنة من عمره ودون يد والله أعلم أين أصيب أيضا وفي هكذا أوضاع في قطاع غزة ،وصلت سيارات الإسعاف إلى المستشفى وأنزلوا الجرحى أولا ثم الشهداء ولكل مكانه الذي يذهب إليه، أدخل عمار إلى غرفة الطوارىء حيث حاول المسعفون بما تيسر من إيقاف نزيف يده ،وقصوا ثيابه الملأى دما لكي يعاينوا أصاباته كان هناك شظايا في جسده الفتي ،حاولوا قدر إستطاعتهم أن يخرجوها وأن يضمدوا أماكنها ليوقفوا نزيف الدم من جسده الفتي . لم يبقى من عائلة عمار إلا أخاه الأكبر والذي كان لا زال مصدوما مما حصل ولم يستوعب عقله بعد ماالذي حدث ،وعندما أفاق من هول الصدمة أخذ يبحث عن والديه وإخوته بين جثث الموتى ،حتى عثر على عائلته وقد جمعت أجزاءها تجميعا صعب عليه ما رأى وصعق من هول المشهد ،فمنذ ساعات كانوا يجلسون سويا والآن يلفون بالأكفان لكي يدفنوا مع بقية شهداء المجزرة في مقابر جماعية ، أراد يوسف أن يبكي أهله فلم يستطع فقد جفت الدموع من عينيه ،ذهب يبحث عن أخيه فوجده ملفوفا بالشاش الأبيض في أغلب أجزاء جسده ويتنفس بصعوبة، جلس على الأرض لا يعي ماذا يفعل وهو في الخامسة عشرة لقد ذهبت العائلةكلها ولم يبقى له سوى عمار . لم يستطع عمار النجاة أيضا فإصاباته كانت بليغة وأرادوا قماشا ليكفنوه فلم يجدوا فتبرع أحد الأطباء بمريوله، ودفن مع أهله وبعد الدفن مشى يوسف في طرقات غزة المدمرة لا يعلم أين يذهب ،فهو هائم على وجهه لا يعلم أماكن أقربائه وكيف يستطيع أن يجدهم كان الردم يغطي الطرقات ولم يعد هناك بيوت أو دكاكين أوبشر ،فقط دمار ورائحة الموت أينما مشى شاهد كلابا مجتمعين على شيء فحاول أن يبعدهم، كما كانوا يفعلون قبلا ولكن هذه المرة أصبحت الكلاب شرسة لا تهاب الإنسان لأنها ذاقت لحمه ولحست دماؤه ، هاجمهم بعصاة وأبعدهم بالقوة ورأى على ماذا كانوا مجتمعين ،إنها قطعة من رجل إنسان فحملها وحفر لها حفرة ودفنها بها . جلس في أحد الأحياء المهدمة على طرف الطريق لا يعرف ماذا يفعل وأين يذهب ،وهو لم يذق الماء والطعام منذ مدة بعد برهة من جلوسه رأى فتحة في الأرض ويخرج منها رجال ملثمون ،يحملون أسلحة أقتربوا منه وسألوه عن حاله وأمره وماذا يفعل فأخبرهم بقصته، أخرجوا بعض حبات تمر من جعبتهم وأطعموه وناولوه مطرة ماء ليشرب وطلبوا منه أن يخرج من هذه المنطقة لأنها خطرة ، ولكنه أصر على أن يبقى معهم طبعا رفضوا فهو لا زال صغيرا ولكنه أصر عليهم وإلا سيلحق بهم، ولن يردع حتى لو أطلقوا النار عليه رضخوا وأخذوه معهم إلى المكان المقصود ،ليكمنوا لقوة إسرائيلية وأشترطوا عليه أن يبقى صامتا وأن لا يتحرك من مكانه ، دقائق وجاءت قافلة عسكرية للعدو وكانوا قد تجهزوا لها بالمتفجرات التي زرعت أرضا ، وأمطروها بما حملوا من قذائف وأعيرة نارية وبدأت أصوات الجنود الصهاينة بالصراخ ألما وخوفا ووجعا إرتسمت البسمة على وجه يوسف بعد أن رأى بعينيه جنود العدو يتحولون لأشلاء وصراخهم الذي ملأ الفضاء ، والنار تلتهمهم كما إلتهمت أهله الآن شعر يوسف أن دماء أفراد عائلته لم تذهب وأنه يستطيع البكاء عليهم .
أمين السكافي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
