حكاية فاطمة…

 

تستيقظ فاطمة قبل شروق الشمس تتهيأ لتتوضأ بالقليل من الماء، الذي أستطاع أولادها حيازته يوم أمس من أحد الشاحنات القليلة ،(الستيرنات باللغة العامية)التي إستطاعت العبور ببضعة آلاف من الليترات من المياه حيث أجتمع الغزاويين عليها كبارا وصغارا، كل يحمل في يده ما أستطاع إليه سبيلا من غالونات أو حلل لتعبأتها، ووسط التزاحم تنسكب منهم فتركض الكلاب للعقها بشراهة عن الأرض ففي غزة حتى الكلاب عطشى . دقائق ويبدأ القصف مع تحليق للطيران الحربي وتبدأ الناس بالتفرق خوفا من غارة محتملة، فالصهيوني لا يفرق بين ستيرن مياه وراجمة صواريخ فكل ما يتحرك في غزة هدف مشروع ، يعود الأولاد إلى خيمتهم سعيدين بكنزهم الثمين غالون من المياه ووعاء نصفه ماء ولكن لا أحد يدري إن كانت هذه المياه صالحة للشرب أم للإستعمال ،في التنظيف والغسيل وخلافه من شوؤن الخيمة التي يقطنونها بعد أن تركهم والدهم منذ بداية الحرب، ولم يعرفوا عنه شيئا من وقتها وتركت فاطمة مع ثلاثة أولاد صبيين وبنت وثلاثتهم دون العاشرة . بعد الوضوء باليسير من الماء تتجه نحو القبلة وتشعر وكأنها تقف أمام الكعبة في المسجد الحرام، لتبدأ مناجاة يومية إعتادت عليها الملائكة من دعاء لزوجها عبدالله بالعودة سالما، أو أن يصلها خبر عنه وبالتالي لأولادها بالسلامة وأن يعمي عنهم أبصار قوات الاحتلال ،وأخيرا أن يرزقها الله في ذلك اليوم ولو شبعة أطفالها، بعد أن تنتهي من الصلاة تيقظ بكرها محمد وتوصيه بالإنتباه إلى أخوته، وتخرج لتبدأ رحلتها في الجوار حيث يوجد بعض الأعشاب التي تقطفها من هندباء أو خبيزة أو زعتر أو خلافه، مما تجود به الأرض عليها ولتتجه بعد أن تنتهي مشيا إلى ما بات يصطلح على تسميته بالسوق . شارع وسط الدمار بات عرفا مع بداية العدوان يدعى سوقا ،لتفترش قماشة كانت معها وتضع عليها ما أستطاعت إليه سبيلا من أعشاب متنوعة رزقت بقطفها، ولتجلس على الأرض في مكانها المعتاد تنادي على ما عندها لتلفت أنظار المارة الذين بدوؤا يمرون منذ الثامنة صباحا ،أحيانا تبيع ما لديها بثمن بخس وأحيانا يبقى منه شيئا فتتركه لتطعم به أولادها وهم منذ أكثر من سنة مضت باتوا نباتيين قسرا ،وأحيانا يتصدق عليها البعض ،في البدأ كانت ترفض وتبكي قهرا وذلا ولكن لاحقا باتت تأخذ ما يترك لها وهي صامته وقلبها يعتصر أسى. بكت فاطمة كثيرا حتى جف الدمع من مقلتيها لم تترك شيئا لم تبك عليه، بكت على أولادها وجوعهم وعطشهم في أغلب الأيام والليالي التي لا يستطيعون النوم فيها من الجوع والعطش ،بكت على ما حل بهم بكت لعدم أستطاعتها أن تجعلهم يغتسلون، بكت على ثيابهم الممزقة بكت على نفسها وقد كانت مدرسة في نفس المدرسة مع أولادها وكان لزوجها محل يسترزق منه يبيع فيه اللحم ،الذي نسوا شكله وطعمه ورائحته وبكت أيضا على منزلها الذي عملوا سنوات لكي يحصلوا عليه والآن صار ركاما . بكت فاطمة وبكت كثيرا على أهلها أبيها الكهل وأمها وأخوتها وأولادهم فلولا وجودها لكان إندثر ذكرهم ،تلملم ما تبقى بعد أن تكون قد تحصلت على بضعة نقود لا يغنوا ولا يسمنوا من جوع، وتتجه إلى أحد الأفران الشعبية لتشتري بقدر ما معها من نقود أرغفة خبز وتعود إلى منزلها، عفوا خيمتها حيث الأولاد قد أستيقظوا وقاموا بما عليهم من جمع للحطب لتوقد أمهم النار حين عودتها ،وتضع ما تبقى معها من أعشاب على النار لتجهز لهم طعام اليوم لأنهم نسوا ماذا يعني الفطور والغداء والعشاء وأختصروا الأكل بوجبة واحدة في اليوم. على ماذا ستبكي فاطمة بعد هذا لو وجد الدمع فهو قد أصبح عملة نادرة، من كثرة ما إستهلك أتبكي على الدمار ورائحة الموت التي أنتشرت أينما وجهت وجهك في غزة، أتبكي على من رحل أم على من بقي ،تتمنى أحيانا لو تقصف هي وأولادها فيرتاحون وترتاح ولكنها سرعان ما تعود إلى رشدها فتستغفر ربها وتضم أولادها ،وفي المساء يتجمعون حولها وتبدأ ككل يوم بسرد القصة الوحيدة التي حفظتها منذ الصغر وهي قصة فلسطين وأبنتها غزة، وكيف سلبت الأولى وأبيدت الثانية وكيف عليهم أن يكبروا بسرعة ليلتحقوا بركب من سبقهم من المقاومين أبطال هذه الأرض والذين سيعيدون ما سلب منهم مهما طال الزمن أو قصر وأن الله لن يتركهم ولو تخلت عنهم الدنيا . أمين السكافي

شاهد أيضاً

جنوبيون… عنوان المجد

الإعلامية جمانة كرم عياد نحن الجنوب… لسنا سطراً في كتاب التاريخ، نحن الكتاب كله. نحن …