زيف العمامة

ريما فارس

في الفكر الإسلامي، كان العلم دائمًا نورًا يُضيء دروب الحياة، وسلاحًا يهذب النفس ويصلح المجتمع. لكنه في بعض الأوقات يتحول على يد البعض إلى مجرد كلمات جوفاء، تُلقى دون أن تجد لها صدى في الأفعال. بعض الذين يتحدثون باسم الشريعة والمنطق دون أن يملكوا منهما سوى مظاهر تخدع البصر، هم أبعد ما يكونون عن روح الإسلام الحقيقية.

ليس من العجيب أن نرى بعض الاشخاص يضعون العمامة على رؤسهم، وكأنها دليل علم وتقوى، بينما هي في الحقيقة قناع يخفي وراءه عجزًا عن مواجهة الحق أو التمسك بالمواقف النبيلة. لو وضع هؤلاء حمامة بدل العمامة لكانوا أقرب إلى الصدق والسلام. إنهم يلقون الدروس البليغة عن القيم والأخلاق، لكنهم يعجزون عن تطبيقها، ويتحاشون كل موقف قد يكلفهم شيئًا من مكانتهم أو مصالحهم.

الدين لم يكن يومًا وظيفة أو مهنة، بل رسالة سامية تحمل أمانة الكلمة ومصداقية العمل. رجال الدين الحقيقيون لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يترددون في قول الحق مهما كانت العواقب. أما من يجعل من الدين وسيلة لتحقيق مكاسب دنيوية، فهو أشبه بمن تزين بلباس لا يناسبه، معتقدًا أن المظاهر تغنيه عن جوهر الصدق والإخلاص.

الإسلام الذي عرفناه ليس مجرد كلمات تُقال، بل أفعال تعكس ما في القلب من إيمان. الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قرآناً يمشي على الأرض، لم يدعُ إلى شيء إلا وسبقه إليه بعمله. هذا هو النموذج الذي يحتاجه المجتمع، لا أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويتهربون من كل موقف قد يمس مصالحهم الشخصية.

إن كان الدين في جوهره دعوة للحق، فكيف يُقبل من رجل دين أن يدير ظهره للحق خشية خسارة؟ وكيف يُسمح له أن يتصدر المجالس وهو أول من يخالف ما يدعو إليه؟ هؤلاء لا يحملون من الدين إلا اسمه، ومن العلم إلا مظهره. هم عبء على الإسلام، لا دعامة له، ومصدر نفور لا جذب.

إذا أردنا أن نعيد للإسلام بريقه وتأثيره، فعلينا أن نبحث عن العلماء الصادقين، الذين يترجمون العلم إلى أفعال، والقول إلى مواقف. فلا يليق بالدين أن يُمثله من يخاف مواجهة كلمة حق، أو من يتجنب نصرة مظلوم. الحمامة التي ترمز للسلام والصدق، أشرف من عمامة تُلبس بلا علم أو إخلاص. الدين أعظم من أن يكون مهنة يرتزق منها، بل هو حياة تُعاش بصدق وتُهدى للآخرين.

شاهد أيضاً

معادلة القوة قبل الطاولة، دروس من طهران وبيروت

  في السياسة، لا يُفرض وقف إطلاق النار بالأمنيات، ولا يُنتزع الأنسحاب من أرضك بالتوسل. …