ماذا ذهبت آمال خليل إلى بلدة الطيري؟

يسود التساؤل لماذا كانت آمال خليل في بلدة الطيري، على الرغم من المخاطر التي كانت تحدق بها؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير تفسير فالإجابة واضحة. فهي تذهب إلى الأماكن الصعبة لا لتصنع بطولة، بل لأنها كانت تعرف أن الصمت أحياناً خيانة.

جمال الغربي

جمال الغربي
الأربعاء 29 نيسان 2026
يسود التساؤل لماذا كانت آمال خليل في بلدة الطيري، على الرغم من المخاطر التي كانت تحدق بها؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير تفسير فالإجابة واضحة. فهي تذهب إلى الأماكن الصعبة لا لتصنع بطولة، بل لأنها كانت تعرف أن الصمت أحياناً خيانة. كانت آمال خليل استثناءً نادراً. لم تكن تركض خلف «السبق الصحافي» بقدر ما كانت تنحني لتلتقط حكايات الناس، وتعيد سردها بكرامة تليق بأصحابها. كانت تؤمن أن الخبر الحقيقي لا يكمن في الحدث نفسه، بل في الإنسان المختبئ داخله.

لم تكن آمال تبحث عن صورة صادمة أو عنوان مثير. كانت هناك لأنّ عدداً من أهالي بنت جبيل حاولوا الوصول إلى أقرب نقطة من مدينتهم، مدفوعين بحنين لا يُقاس بالمسافات. كانت تدرك أن تلك اللحظة، بكل ما فيها من خوف وأمل، تختصر حكاية الجنوب كله. في لحظات الغدر الأولى، كانت ابنة بلدة البيسارية على قدر عالٍ من المسؤولية تجاه من كان معها. بعد الغارة التي استهدفت سيارتها، اتصلت بي شخصياً عند الساعة 2:31 ظهراً، وقالت: «ضربوا السيارة الأولى وهناك إصابات».

طلبت مني الاتصال بالصليب الأحمر، ورفضت المغادرة، مؤكدة «هناك إصابات… لن أترك المكان إلى حين وصول فرق الإسعاف». وفي اللحظات الأولى بعد الاعتداء على سيارتها، أخبرتني عند الساعة 3:40 ظهراً أنها أُصيبت، وطلبت عدم ذكر اسمها في المناشدات كي لا يقلق أهلها ومحبوها ويحملوا همّها. كان دوي الانفجار الذي سمعنا أصداءه عند الساعة الرابعة والسابعة والعشرين دقيقة في تبنين قوياً، غير اعتيادي. شعرتُ بأن شيئاً جللاً قد حدث. الدقائق ثقيلة إلى أن تبيّن لنا أنها غارة من طائرات حربية إسرائيلية استهدفت المنزل الذي احتمت فيه آمال مع الزميلة زينب فرج. بعدها تحركت فرق الصليب الأحمر، عقب الحصول على إذن للوصول إلى بلدة الطيري.

بدا الأمل بالوصول إليهما كبيراً، لكن إسرائيل كانت قد اتخذت قرارها بقتل آمال مع سبق الإصرار، ومنعت فرق الصليب الأحمر من الوصول عبر إلقاء قنابل صوتية وإطلاق رشقات نارية باتجاه سيارات الإسعاف. فأضحى المشهد اكثر وضوحاً والهدف تصفيتها.

ساعتان وأكثر من الانتظار والحصار كانت الفصل الأطول في حياة آمال. استعادت فيها شريط حياتها وعلاقاتها مع أسرتها وأصدقائها وزملائها. تحاملت على إصابتها وهي تنزف، وتحمّلت مسؤولية إنسانية وأخلاقية ووطنية مثالية.

نجحت إسرائيل في قتل جسد آمال، إلا ان إرثها سيبقى حاضراً في كل قصة لم تُكتب بعد، وفي كل صحافي قد يختار أن يسلك طريقها طريق البحث عن الإنسان قبل الخبر. ففي النهاية، قد تُنسى العناوين، لكن الوجوه التي كانت آمال تراها… ستبقى.

شاهد أيضاً

الوفاء الذي كسر الحصار

عدنان عبدالله الجنيد. كيف حوّلت إيران التفاهم مع أميركا إلى هزيمة للاستكبار؟ من لبنان إلى …