إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون.. هندسة الفراغ اللبناني لولادة “الوكيل الإسرائيلي”حصرياً!!

​بقلم: فادي سعد

​في علم الجيوسياسة، لا توجد فراغات؛ فالمساحة التي يخليها طرف، يحتلها طرف آخر فوراً. وما يعيشه لبنان منذ عام 2019 ليس مجرد أزمة اقتصادية ناتجة عن سوء إدارة، بل هو عملية “تفريغ بنيوي” متعمدة. الهدف؟ إخراج لبنان من خارطة الوظائف التاريخية (المال، المرفأ، الطاقة) لإرغام المنطقة على قبول إسرائيل كوكيل خدمات حصري ووحيد في شرق المتوسط.

​أولاً: “مصلحة الخنق” في مضيق هرمز؛

​بينما تشتعل المناوشات في مضيق هرمز وباب المندب، يبرز مصطلح “أمن الممرات”. إسرائيل تستثمر في “خطر” هذه المضائق لتقدم البديل: الممر البري الآمن.
عندما يصبح مضيق هرمز منطقة غير مستقرة، تندفع دول الخليج والشركاء الدوليون للبحث عن طريق بديل ينقل البضائع والطاقة بعيداً عن نفوذ القوى المعادية لإسرائيل. هنا تبرز “العبقرية الخبيثة” للمخطط: تحويل إسرائيل من “جزيرة معزولة” وسط محيط معادٍ، إلى “الجسر البري” الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر السكك الحديدية والموانئ.

ثانياً: تفجير مرفأ بيروت.. إزاحة المنافس الطبيعي؛

​كان مرفأ بيروت، بفضل موقعه الاستراتيجي وعمق مياهه، هو المرشح الطبيعي ليكون نهاية ذلك الممر البري القادم من الخليج والعراق. ولكن، لكي يزدهر ميناء حيفا، كان لا بد لبيروت أن تخرج من الخدمة.
إن انفجار 4 آب لم يدمر الحجر فحسب، بل دمر “الثقة اللوجستية” بلبنان. هذا “الفراغ” الذي تركه المرفأ تمت هندسته ليُملأ فوراً من خلال تطوير ميناء حيفا وتوسيع قدراته الاستيعابية، ليصبح هو الخيار الوحيد الجاهز تقنياً وأمنياً لخدمة “مشروع ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا” (IMEC).

​ثالثاً: المصرف والطاقة.. تجفيف الرئة اللبنانية؛

المصرف: ​بانهيار القطاع المصرفي اللبناني، فُقدت “الخزنة” التي كانت تؤمن السيولة والخدمات المالية للتجارة البينية العربية. إسرائيل، التي تمتلك نظاماً مصرفياً متطوراً ومرتبطاً كلياً بالمنظومة الغربية، تقدم نفسها اليوم كبديل مالي آمن للاستثمارات الإقليمية.

​الغاز: منع لبنان من استخراج الغاز والنفط ليس صراعاً على حدود بحرية فحسب، بل هو صراع على “أسبقية التصدير”. إسرائيل تسابق الزمن لتثبيت عقود طويلة الأمد مع أوروبا، مستغلة الشلل اللبناني لتصبح هي “غاز العرب” والمنصة الرئيسية للطاقة في شرق المتوسط.

هندسة الفراغ؛
​نحن أمام عملية جراحية كبرى لإعادة رسم خارطة النفوذ. يتم خنق الممرات المائية القديمة (هرمز) لرفع أسهم الممرات البرية الجديدة، ويتم تفجير الموانئ المنافسة (بيروت) لتعزيز موانئ الوكيل الجديد (حيفا).
​لبنان اليوم لا يُحارب بالسلاح التقليدي فقط، بل يُحارب بـ “الإزاحة الوظيفية”. إنهم لا يريدون احتلال أرضه، بل يريدون احتلال دوره، ليتحول لبنان من “وسيط الغد” إلى “هامش التاريخ”، وتصبح إسرائيل هي المصرف والمرفأ والحقل الذي يغذي المنطقة بعلم الواقع والوقائع العلمية الجافة.
​ويأتيك من يريد في لبنان اليوم التفاوض مع العدو الإسرائيلي، متوهماً أن الجلوس على طاولة واحدة قد يمنح لبنان “فتاتاً” من أدواره المسلوبة، وكأنه يغفل عن حقيقة أن الطرف الآخر لا يتفاوض لتوزيع الحصص، بل لإدارة مراسم الدفن.
​إن السعي للتفاوض في ظل هذا الانهيار البنيوي الممنهج هو “تفاوض على طريقة الانتحار”؛ فالمفاوض اللبناني الذي يدخل الحلبة وهو مجرد من مرفئه، ومنهار مصرفياً، ومحاصر طاقوياً، لا يملك أوراق قوة يضغط بها، بل يقدم “تنازلات الرمق الأخير”. إنها مقامرة بمنطق “الاستسلام الطوعي”، حيث يصبح التفاوض هنا ليس لانتزاع حقوق، بل لشرعنة عملية الإزاحة الوظيفية التي جعلت من حيفا بديلاً لبيروت.
​ببساطة: من يريد التفاوض مع من سرق “دوره التاريخي” وهو في ذروة ضعفه، لا يوقع معاهدة سلام، بل يوقع على شهادة وفاة لبنان ككيان اقتصادي ريادي، واضعاً رقبته تحت مقصلة “الوكيل الإسرائيلي” الذي لن يسمح للبنان بالنهوض مجدداً إلا كـ “تابع” مسلوب السيادة والوظيفة.

شاهد أيضاً

الوفاء الذي كسر الحصار

عدنان عبدالله الجنيد. كيف حوّلت إيران التفاهم مع أميركا إلى هزيمة للاستكبار؟ من لبنان إلى …