بقلم اقبال عبدالرحيم
تحليل اقتصادي — أبريل 2026
في خضم أسوأ أزمة إنسانية يشهدها السودان منذ عقود، أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس قراراً بحظر استيراد 46 سلعة صنّفها بـ”الكمالية وغير الضرورية”، في محاولة لوقف نزيف الجنيه السوداني الذي فقد قيمته بشكل مخيف — إذ تجاوز الدولار أربعة آلاف جنيه في السوق الموازية، مقابل ستمائة جنيه فقط في السعر الرسمي. الهدف مفهوم، والنية ظاهرها إصلاح. لكن القائمة كشفت عن خلل عميق في تعريف “الضروري”.
ضمت القائمة الأرز والفول المصري والفواكه والخضروات — وهي ليست رفاهية بأي معيار، بل هي عماد الطبق السوداني اليومي. الفول وحده يمثل وجبة الفطور والغداء والعشاء لملايين الأسر الفقيرة والمتوسطة في كل أرجاء السودان. وفي زمن الحرب والنزوح، حين فقد الملايين بيوتهم ومصادر دخلهم، تحوّل الفول والأرز من وجبة يومية إلى شريان الحياة الوحيد لكثيرين. أن يُصنَّف هذا “كمالياً” في بلد أُعلنت فيه المجاعة رسمياً هو تناقض صارخ لا يحتاج إلى اقتصادي ليكتشفه.
الواقع الغذائي السوداني من أشد الأوضاع في العالم اليوم. وفق برنامج الأغذية العالمي والتصنيف المتكامل للأمن الغذائي، يعاني 21.2 مليون شخص — أي 45% من السكان — من انعدام الأمن الغذائي الحاد. أُعلنت المجاعة رسمياً في الفاشر وكادقلي، مع خطر امتدادها لعشرين منطقة إضافية في دارفور وكردفان. ويعيش 11.5 مليون مهجَّر داخل البلاد وخارجها في ظروف بالغة الهشاشة. وقد انخفض الإنتاج الزراعي المحلي إلى نصف حجمه الطبيعي بسبب تدمير المزارع ونزوح أصحابها.
في هذا المشهد، قطع استيراد الغذاء الأساسي ليس ترشيداً للاستهلاك — بل هو إضافة عبء على كاهل من لا يحتمل المزيد.
المنطق الضمني للقرار يفترض أن هناك إنتاجاً محلياً بديلاً يمكن تحفيزه بمجرد إغلاق باب الاستيراد. لكن هذا الافتراض يسقط أمام حقائق الميدان المزارعون نازحون، والمصانع متوقفة أو تعمل بطاقة شبه معدومة، والبنية التحتية الزراعية مدمرة في معظم مناطق الإنتاج. لا بديل محلياً في الأفق القريب، ولا يوجد ما يسدّ الفراغ الذي سيخلفه الحظر سوى الشُح والغلاء والسوق السوداء.
وهنا تكمن المخاطرة الأكبر ففي بيئة مؤسسية هشة كالتي يعيشها السودان اليوم، تتحول “الاستثناءات” و”الإعفاءات” إلى سلعة في يد من يملك صلاحية منحها. وبدلاً من أن يخفف القرار الضغط على العملة، قد يتحول إلى أداة لتركيز الثروة في يد محتكرين على حساب المواطن الذي جاء القرار أصلاً لحمايته.
البديل الأجدى
لم يكن الأمر يستوجب الاختيار بين حماية الجنيه أو إطعام المواطن. فرض رسوم جمركية تصاعدية على الكماليات الحقيقية — السيارات الفارهة والمجوهرات والإلكترونيات الترفيهية — مع إبقاء باب استيراد الغذاء مفتوحاً، كان يمكنه تحقيق الهدف الاقتصادي ذاته دون أن يمسّ طبق المواطن. يُضاف إلى ذلك دعم مدخلات الزراعة لتحفيز الإنتاج المحلي فعلياً، لا عبر صدمة قطع الاستيراد.
خلاصة
حماية الجنيه السوداني ضرورة اقتصادية حقيقية، والهدف من القرار مشروع. لكن الوسيلة المختارة تكشف عن قرار صِيغ بعيداً عن الواقع — بعيداً عن طبق الفول الذي يبدأ به السوداني يومه، وعن النازح الذي لا يملك غيره. لا قيمة لعملة مستقرة إذا كان المواطن جائعاً، والشُح أخطر دائماً من الغلاء.
المصادر: برنامج الأغذية العالمي | التصنيف المتكامل للأمن الغذائي | التقرير العالمي لأزمات الغذاء 2026 | سودان تريبيون
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
