وراء الشاشة: كيف يصنع الإعلام الصورة الذهنية للأحداث العالمية

 

بقلم: عبد الحميد الملا

في عصر العولمة وتطور وسائل الاتصال، أصبحت وسائل الإعلام العامل الرئيسي في تشكيل الرأي العام وصناعة الصورة الذهنية للأحداث العالمية. من خلال القنوات التلفزيونية، الصحف، مواقع الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، باتت الجماهير تتلقى كميات ضخمة من المعلومات بشكل يومي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تتحكم هذه الوسائل في الصورة التي نكونها عن الأحداث والشخصيات العالمية؟

قوة السرد الإعلامي

لا يمكن التقليل من أهمية السرد الإعلامي في تشكيل تفكير الجمهور. ففي كثير من الأحيان، لا تكون الحقائق المجردة هي ما يتشكل في أذهان الجمهور، بل الطريقة التي تُعرض بها هذه الحقائق. الإعلام يملك القدرة على اختيار التفاصيل التي يسلط الضوء عليها وتلك التي يغفلها، مما يجعل الصورة النهائية للأحداث أداةً لتعزيز وجهات نظر معينة.

على سبيل المثال، خلال الأزمات العالمية أو الحروب، يمكن أن يؤدي تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية للأزمة في دولة معينة إلى تعاطف واسع من قبل الجمهور، بينما قد يؤدي التركيز على الجوانب العسكرية أو السياسية إلى تشكيل رؤية مختلفة تمامًا. هذا النوع من السرد يتحكم في انطباعات الجمهور و يؤثر على قراراته ومواقفه تجاه الأحداث.

الانتقاء والتضخيم

واحدة من أهم الأدوات التي يستخدمها الإعلام لصناعة الصورة الذهنية هي (الانتقاء).

وسائل الإعلام تختار بعناية الموضوعات التي ترغب في تغطيتها بشكل مكثف. على سبيل المثال، قد يحصل حدث معين على تغطية إعلامية واسعة جدًا رغم أنه لا يمثل أهمية قصوى مقارنة بأحداث أخرى، وهذا الانتقاء يوجه اهتمامات الجمهور ويشكل أولوياته.

إلى جانب الانتقاء، تأتي أداة (التضخيم). عندما يتم تضخيم حدث معين من خلال تغطيته المتكررة والموسعة، يشعر الجمهور أن هذا الحدث هو الأهم على الساحة، وأنه يجب أن يشغل حيزاً كبيراً من تفكيره واهتمامه. هذا التضخيم لا يقتصر فقط على الأخبار السياسية أو الحروب، بل يشمل أيضًا القضايا الاجتماعية والاقتصادية والفنية.

الانحيازات الإعلامية

على الرغم من أن الإعلام من المفترض أن يكون موضوعياً ويقدم المعلومات بشكل متوازن، إلا أن الواقع يشير إلى وجود انحيازات إعلامية تؤثر على طريقة تغطية الأحداث. هذه الانحيازات قد تكون بسبب المواقف السياسية لمالكي أو ممولي وسائل الإعلام أو لأسباب اقتصادية وتجارية تتعلق بجذب الجمهور. هذه العوامل تجعل بعض وسائل الإعلام تميل لتغطية الأحداث بشكل يعزز رؤية معينة أو يخدم مصالح جهة محددة.

كمثال، يمكن لوسائل الإعلام في دولة معينة أن تصور الصراع الدولي بطريقة تحابي حكومتها، بينما قد تقدم وسائل إعلام أخرى نفس الصراع من زاوية معارضة تمامًا. هذا الانقسام يجعل الصورة النهائية للأحداث متأثرة بمصدر المعلومات وطريقة صياغته وتقديمه للأحداث, أكثر مما هي متأثرة بالحقائق على الأرض.

تأثير منصات التواصل الاجتماعي

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي يظهر بوضوح في الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى. الحملات الانتخابية، الثورات، وحتى الحركات الاجتماعية تستفيد بشكل كبير من الانتشار السريع للمعلومات والصور، التي يمكن أن تؤثر على الجمهور بشكل فوري. ولكن في نفس الوقت، تشكل وسائل التواصل الاجتماعي تحديات كبيرة فيما يتعلق بالمعلومات المغلوطة والشائعات، التي يمكن أن تسهم في تكوين صور ذهنية مشوهة أو غير صحيحة.

وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل كبير في آراء الجماهير من خلال أدواتها وخوارزمياتها في نشر أحداث معينة ومنع نشر أو تحجيم انتشار أخبار وآراء معينة بشكل بعيد كل البعد عن حرية الرأي أو مبدأ الحياد في الإعلام.

الإعلام كمؤثر رئيسي في الوعي الجماهيري

في النهاية، يمكن القول إن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الذهنية للأحداث العالمية. سواء كان ذلك من خلال الأخبار التلفزيونية أو الصحف أو وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الطريقة التي يتم بها تقديم المعلومات تؤثر بشكل كبير على رؤية الناس للعالم وتصورهم للأحداث. وفي هذا السياق، يجب على الجمهور أن يكون واعيًا لأدوات الإعلام وكيفية تأثيرها، وأن يسعى دائمًا للتحقق من المعلومات من مصادر متعددة لتكوين رؤية متوازنة وموضوعية.

الصورة التي نصنعها عن العالم ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي مزيج من الحقائق والطريقة التي يقدمها لنا الإعلام. لذلك، يبقى النقد الإعلامي وتحليل السرديات المختلفة جزءًا مهمًا من الوعي الجماهيري في عصر المعلومات

شاهد أيضاً

الوفاء الذي كسر الحصار

عدنان عبدالله الجنيد. كيف حوّلت إيران التفاهم مع أميركا إلى هزيمة للاستكبار؟ من لبنان إلى …