ذ. حسن عليّ شرارة🌹
🌸🌹🌷🌺💐🎋
جودت الهاشمي سوريّ المولد والموطن والهوى والهويّة، وجزائريّ الأصل، فقد وُلد في دمشق عام 1887م لأبوين من أصل جزائري قدما لدمشق مع الأمير عبد القادر الجزائري، فدرس في مدارس دمشق، ثمّ أكمل تعليمه الثانوي في استانبول، ثم أوفد إلى باريس؛ ليكمل تعليمه الجامعي نظرا لتفوّقه؛ فحصل على الليسانس في الرياضيات من فرنسا عام 1913م.
وبعد حصوله على الليسانس عرض عليه العمل في استانبول فرفض، وفضّل العمل بدمشق وعاد إليها؛ ليُعيّن مديرا لمكتب عنبر، ومدرّسًا لمادة الرياضيات فيه.
ولجودت الهاشمي الفضل في بناء أوّل مدرسة ثانوية في دمشق أطلق عليها اسم مدرسة التجهيز الأولى 1933م، وهي أقدم وأعرق مدرسة في مدينة دمشق، ولعلّ قصّة تسمية مدرسة التجهيز الأولى باسم مدرسة جودت الهاشمي قصّة تستحقّ المتابعة والقراءة؛ لما فيها من دروس وقيم تربوية وأخلاقية ووطنية، والتي تجلعنا نفخر ونعتزّ بذلك التاريخ المجيد وأولئك الرجال الأفذاذ!
ففي أحد الأيام جاء الطالب حسّان إلى مدرسة التجهيز الأولى متأخّرًا عن الدوام عشر دقائق، فلم يقبل مديرها الأستاذ جودت الهاشمي بإدخاله إلى الصفّ، بل قام باستجوابه وتأنيبه وإعطائه طلبا رسميًّا مختوما بخاتم المدرسة يستدعي ولي أمره إلى المدرسة؛ للتداول في مشكلة تأخّره عن الدوام لمدّة عشر دقائق!
لقد غلب الحياء والخوف على الطالب حسان مما حصل له! وما عساه أن يفعل؟ فهل يرفض ويدافع عن هيبته؟ أم ينفّذ أوامر المدير المعروف عنه الجدّ والحزم والعدل!
لكنّ تربية حسان وأدبه وحياءه وأخلاقه دفعته لاختيار
القبول وطاعة الأوامر، وعاد إلى البيت مكسور الخاطر!
استغربت أمّ حسّان من عودة حسان في هذا الوقت المبكر، وهو ولدها الوحيد، والذي عهدته مؤدّبا وهادئا وملتزما، مما آثار استغرابها، وبدأت تستفسر عن سبب عودته؟
فأخرج حسّان طلب استدعاء ولي أمره إلى المدرسة وأعطاه لأمه!
وكان أبوحسان يتكلّم بالهاتف، وعندما سمع الحوار بين حسان وأمه مفصلا؛ أنهى مكالمته وطلب من أم حسان أن تعطيه مفاتيح السيارة!
فقالت له أمّ حسان: إنّ سيارة الوظيفة تنتظره مع السائق أمام البيت!
فردّ عليها أبو حسان: ومتى كنت استخدم سيارة الوظيفة لشؤوني الخاصّة؟
فناولته أمّ حسان مفاتيح سيارته الخاصّة، وطلب من ابنه حسان الركوب معه، واتّجها نحو مدرسة التجهيز الأولى، ودخل أبو حسان إلى المدرسة ويالها من مفاجأة مذهلة للإدارة والمعلّمين والطلاب الذين تجمّعوا للترحيب به ومقابلته، فأخذ يمازح الطلاب، ويسلّم على المعلمين فردا فردًا..
وفي الإدارة سأل أبو حسان المدير جودت الهاشمي عما حدث مع ابنه حسان؟ فشرح الأستاذ جودت الهاشمي بوقاره وحزمه المشكلة لأبي حسان، وعبّر عن أسفه لتأخر حسان عشر دقائق بدون مبرّر شرعي !
فما كان من أبي حسان إلا أن أثنى على الأستاذ جودت الهاشمي وقال له: نحن نقف باحترام أمام إخلاصك وتفانيك بأداء الأمانة دون تمييز بين الناس، وأنا فخور بك يا أستاذ جودت!
وطلب أبو حسان من المدير أن يجمع الطلّاب ليتحدث إليهم!
وفعلا اجتمع طلّاب ومعلّمو المدرسة، وألقى أبو حسان كلمة أهمّ ما قاله فيها:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبنائي الأحبّة
العلم أمانة، به ترتقي الأمم، والتعليم أمانة، وبه نرتقي فوق القمم، والمعلّم باني الأجيال، وخير من أدّى الأمانة. ومدرستكم منذ اليوم لم تعد مدرسة التجهيز الأولى، بل أصبحت مدرسة (جودت الهاشمي).
لعلكم متلهّفون لمعرفة من هو أبو حسّان؟
إنّه رئيس الجمهورية العربية السورية شكري القوتلي آنذاك! وحسان ابن رئيس الجمهورية الوحيد ابن الأربعة عشرة ربيعا..
وجودت الهاشمي هو مدير مدرسة التجهيز الأولى بدمشق!
ولعلّكم مثلي مندهشون ومتحيّرون من هو الرجل الأجدر بالاحترام والتقدير والإعجاب؟
هل هو الأستاذ جودت الهاشمي مدير المدرسة الذي يستدعي رئيس الجمهورية إلى المدرسة بصفته ولي أمر ابنه الوحيد حسان الذي تأخر عن الدوام لعشر دقائق دون مبرر!
أو السيّد شكري القوتلي (أبو حسان )رئيس الجمهورية العربية السورية الذي يأبى استخدام سيّارة الدولة في قضاء شؤونه الخاصة، والذي بتواضعه يرضخ لأمر مدير مدرسة ابنه، ويذهب لمقابلته؛ لتدارس أوضاع ابنه ومعالجتها بنفسه!
أو الطالب حسان ابن رئيس الجمهورية المؤدّب والخلوق والذي ينفذ أمر مدير مدرسته بكلّ أدب ولباقة واحترام!
الحقيقة كلهم يستحقون الاحترام والتّقدير!
هكذا هكذا وإلّا فلا لا
ليس كلّ الرجال تُدعى رجالا
مع تحيّات ذ. حسن عليّ شرارة🌹
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
